: آخر تحديث

نتنياهو يُشعل جبهة الضفة

2
2
2

قرَّرت قيادةُ الجيش الإسرائيلي، بإيعازٍ من نتنياهو ووزير دفاعه، إغراقَ الضّفة بالقواتِ العسكريةِ والأمنية والاستيطانية، ورغم قلَّة المواردِ البشرية التي تشكو منها قيادةُ الجيش، بفعل استنكافِ قطاعٍ واسعٍ عن الخدمة العسكرية «الحريديم»، فلقد اضطرت لسحب قواتٍ من قطاع غزة وجنوب لبنان ونشرها في الضفة، بحيث يصل عدد القوات المسلحة فيها إلى أعلى رقمٍ وصل إليه منذ احتلال عام 1967، وأثناءَ الانتفاضات الشعبية الكبرى.

الضّفة المقسّمة إلى 3 فئاتٍ جغرافيةٍ «أ» حيث تقول أوراقُ أوسلو إنَّها تحت سيطرةٍ كاملةٍ للسلطة الوطنية، وهذا لم يعد قائماً بالفعل.

و«ب» التي تقول الأوراق ذاتها إنَّها تحت سيطرةٍ مدنيةٍ وشبه إداريةٍ من قبل السلطة الوطنية، ولكنَّها خاضعةٌ أمنياً لسلطة الاحتلال، وهذا أيضاً لم يعد قائماً بالفعل.

و«ج» حيث السلطة الكاملة للاحتلال، ومساحتها على الورق تزيد على نصف مساحة الضفة، إلا أنَّ السيطرة الإسرائيلية المطلقة عليها، تمتد لتطولَ كلَّ الجغرافيا الفلسطينية، بعد أن ألقت إسرائيلُ بخرائطِ أوسلو في حاويةِ المهملات.

الحشدُ العسكريُّ المبالغُ في عديدِه ومساحاتِ انتشاره، إذا ما نُظر إليه من زاوية الاحتياجاتِ الأمنية، فلا يوجد ما يستدعيه، إذ لا كتائب مسلحة ولا أنفاق ولا مصانع سلاح، ولا معسكرات تدريب، كتلك التي كانت في غزة، والتي لا تزال في جنوب لبنان.

لا شيء من ذلك في الضفة، ولا توجه شعبياً أو فصائلياً أو رسمياً، لاستخدام السّلاح كخيار مواجهةٍ مع الاحتلال، وحتى الدفاع عن النفس، أمام هجمات المستوطنين، فالفلسطينيون يؤدونه بأيديهم العارية، وبالعصي والحجارة، وفي مشاهد متكررة يراها العالم على الشاشات، وفي حالاتٍ استثنائيةٍ نادرةٍ كتلك التي حدثت في قرية تِل، حيث اضطر مواطنٌ فلسطيني لانتزاع بندقية مستوطنٍ واستخدامها في اشتباكٍ فُرض عليه مع الجيش والمستوطنين، ما أدَّى إلى استشهاده بعد أن قتل جندياً ومستوطناً، فقام الجيش بإعدام ثلاثةٍ من أقربائه.

ردّ فعل الثنائي، نتنياهو ووزير دفاعه كاتس، حدَّد بدقة أهداف إشعال جبهة الضفة، فقد تقرَّر هدم منزل المواطن الذي اشتبك مع المستوطنين والجيش، رغم إقرار التَّحقيق الرسمي بأنَّه جاء تلقائياً، وليس وفق مخططٍ مبيّتٍ ومرسوم.

كما تقرَّر في اجتماع الكابينت المصغّر زيادة البؤر الاستيطانية في الضفة، لتبلغ المئات حتى الآن، بما في ذلك قلب المنطقة «أ» مع قرارٍ باجتياح محافظة ومدينة نابلس، مترافقاً مع إغلاق الضفة الغربية وحظر التنقل بين محافظاتها.

إشعالُ الضفة على هذا النحو دخل بقوة في الحملة الانتخابية المسعورة التي تجري في إسرائيل، ومن ضمن أهداف حكومة نتنياهو توحيدُ قوى اليمين على مختلف تشكيلاتها، لتصبّ أصواتها في صناديقه، بعد أن سجّلت استطلاعاتُ الرأي تراجعات فادحة في مقاعد حزبه وائتلافه، بما يجعل من تجديد رئاسته للحكومة أمراً أقربَ إلى المستحيل.

إشعال جبهة الضفة، كأمرٍ يستطيعه ويعتبر نفسَه طليق اليد فيه، حيث بعضُ قيودٍ في غزة وأخرى في جنوب لبنان، تزدادُ حاجته إليه كلما تصاعدت في إسرائيل أصواتٌ تتهمه بالتَّقصير في معالجة موقعة أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وخداعه للرأي العام حين صدّر حكايةَ النصر المطلق على سبع جبهاتٍ، فإذا به لا يحسم أي واحدةٍ منها، ناهيك عن الحكايات القديمة التي تهدّ الجبال، والتي تنذره بالذهاب إلى السّجن أو إلى مقاعد المعارضة في أفضل الأحوال، جرّاء محاكماته، ومحاولات انقلابه على القضاء.

إشعالُه جبهة الضفة لم يحقق ما أراده تماماً على مستوى تحسين مكانته في الانتخابات، بل أدّى إلى فرزٍ ليس في صالحه، إذ اتُّهم بافتعال الحرب على الضفة، دون حاجةٍ ملحّةٍ لذلك، وتحويلها إلى برميل بارود ليس خدمةً لأمن إسرائيل، بل خدمةً لأجندته الخاصة، ولقد بدا جلياً أنَّ منافسيه المتفوقين عليه في الاستطلاعات، يعملون بكل ما لديهم من قدرات، على سلبه مزايا الحرب على الضفة، وتصويره على أنَّه يؤدي مغامرةً لا لزوم لها.

إغراقُ الضفة بالعسكر والمستوطنين المسلّحين وأجهزة الأمن على مختلف أنواعها، جاءَ وهو يعدّ حقائبه للسفر إلى واشنطن بعد تمنّعٍ أميركي عن استقباله الفوري، كما كانت عليه الأمورُ في زمن شهر العسل القديم، ولا يضرُّه كما يحسب ويفكّر أن تكونَ جبهة الضفة المشتعلة بنداً على جدول أعماله مع ترمب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد