لا تزال صورة المثقف في العالم العربي محاطة بذلك القدر من الالتباس الذي يجعل تعريف دوره مهمة تتجاوز حدود اللغة إلى عمق البنية الثقافية نفسها. فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف على طبيعة هذا الدور، بل أصبحت مرآة تكشف عن علاقة مضطربة بين المجتمع والفكر، وعن فضاء لم يستقر بعد على قواعد تمنح الشرعية عبر التراكم والتحليل والنقد، لا عبر الظهور الإعلامي أو الوجاهة الرمزية.
وبالرغم من أن الفكر النقدي والعلوم الإنسانية موجودة بالفعل بدرجات متفاوتة، إلا أنها لم تتحول إلى قيمة اجتماعية راسخة، ولم تصبح جزءًا من الحسّ العام الذي يوجّه النقاش ويؤثر في الحياة اليومية، مما يجعل المثقف يتحرك في فضاء يتسع حينًا ويضيق حينًا آخر، دون أن يجد دائمًا الأدوات التي تمكّنه من أداء دوره الطبيعي في قراءة اللحظة التاريخية وصياغة أسئلتها.
وفي ظل هذا الفراغ، تبرز خطورة المشهد اليوم في عصر "السيولة الرقمية"؛ إذ لم يعد الفضاء الثقافي ساحة تمنح الشرعية عبر النقد والتلقي الجاد، بل تحول في جزء كبير منه إلى منصات تصنع فيها خوارزميات المشاهدة والتفاعل نجومية سريعة ومضللة. وهنا تحديدًا تنفتح الثغرة لظهور نمطين يشوهان الوعي العام: "المثقف المزيف" و"المثقف المخادع".
إنَّ هذا الانفتاح أغرى فئة من الأدعياء للالتصاق بالثقافة وتسلق أسوارها؛ فنشأ "المثقف المزيف" الذي يفتقر إلى أساسيات المعرفة وأدوات الكتابة الرصينة، لكنه يملك مهارة الاستعراض بجمل رنانة وشعارات براقة فارغة من أي عمق. وبمحاذاته، يبرز "المثقف المخادع" وهو الأخطر، إذ قد يمتلك بعض الأدوات، لكنه يوظفها بوعي كامل للتدليس وصناعة الوهم، بهدف الضحك على الجيل الجديد واستغلال شغفه المعرفي الطري لبناء مجد افتراضي شخصي.
يتخادم هذان النمطان في بيئة رقمية تفتقر إلى الحس النقدي، فيتحولان إلى "أوصياء افتراضيين" يبيعون الوهم ويحصدون التصفيق، في حين يطوي الظل والنسيان المثقفين الحقيقيين وأصحاب المشاريع الجادة، لترفعهم عن مشهد الضجيج هذا.
والأثر الأخطر لهذا الانشغال بصناعة النجومية الزائفة والمخادعة أنه ينعكس مباشرة على الحياة العامة؛ لأن المجتمع الذي يقدّم الانطباع على التحليل، والسطح الاستعراضي على العمق، هو مجتمع يفرغ الثقافة من مضمونها التنويري، مما يؤدي إلى تراجع دور المثقف الحقيقي في توجيه النقاش العام، وإلى انحسار الفكر الرصين في دوائر ضيقة لا تصل إلى المجال الاجتماعي الواسع.
ولعل السؤال الجوهري هنا هو: كيف يمكن تمكين المثقف الحقيقي من أداء دوره؟ وكيف يمكن بناء بنية مستدامة تحمي الأجيال الجديدة من هذه العبثية وتصون وعيها؟
إن الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن دور المثقف لا يكتمل كصوت فردي معزول، بل يتطلب إعادة بناء الفضاء الثقافي بوصفه فضاء عامًا حيًا، يكسر عزلة التجمعات النخبوية، ويفرز الغث من الثمين. هذا التمكين المستدام يبدأ جذريًا من المدرسة والجامعة لزرع الوعي النقدي وتدريب الأجيال على أساسيات القراءة والكتابة وتفكيك النصوص، ويمتد إلى إعلام جاد يتحول من منصة للضجيج إلى فضاء للنقاش، وصولًا إلى مؤسسات ثقافية وبحثية تتجاوز الدور الاحتفالي المؤقت نحو إنتاج معرفة حقيقية قادرة على تحصين الوعي العام.
وعندما يتحول الفكر إلى ممارسة يومية، وعندما يصبح النقاش حول الأفكار لا حول بريق أصحابها، وعندما يتعلم المجتمع أن القيمة تُقاس بما يُقال لا بمن يملك مهارة الاستعراض أو الخداع، عندها فقط ننتقل من فتنة المظاهر إلى جوهر الثقافة. عندها فقط يصبح المثقف قادرًا على أداء دوره الحقيقي في قراءة اللحظة التاريخية، وصياغة أسئلتها، وربطها بالمستقبل؛ لأن الثقافة التي لا تنظر إلى الغد تبقى أسيرة الماضي، ولأن الفكر الذي لا يتحرك مع الزمن يتحول إلى زخرفة لغوية لا أثر لها في العالم.

