مع استمرار جولات التفاوض الجارية على إثر الحرب الأخيرة، وتزايد التصريحات والمواقف المعلنة على خلفيتها من قبل الطرفين الأميركي والإيراني، والتي لا تزال التناقضات فيها بين الطرفين واضحة؛ وبالرغم من سعي الجانبين للاستمرار فيها وعدم التخلي عنها، لكن الذي صار يبدو واضحًا هو أن النظام الإيراني يحاول بكل ما أوتي من قوة العمل بطريقة وأخرى من أجل إبعاد المطالب الدولية الأساسية عن طاولة التفاوض، والسعي بدلًا من ذلك إلى طرح أمور ومسائل ثانوية ومستجدة والتركيز عليها لأطول فترة زمنية ممكنة.
والمثير للسخرية، أنه في الوقت الذي يؤكد فيه الجانب الأميركي السعي من أجل حسم موضوع الملف النووي الإيراني وإنهاء المسار باتجاه إنتاج السلاح النووي، إلا أنه، وعلى النقيض من ذلك تمامًا، يؤكد مسؤولون إيرانيون عزمهم الكامل على التمسك بمسألة تخصيب اليورانيوم وعدم التخلي عنها بأي شكل من الأشكال؛ إلى جانب أنهم يصرون على التأكيد فعليًا على تمسكهم بتدخلاتهم السافرة في بلدان المنطقة ولا سيما لبنان، وحتى إن إطلاق الصواريخ على إسرائيل خلال الأيام الماضية قد جاء في هذا السياق نفسه. أما موضوع الصواريخ البالستية، فإن مسؤولين آخرين أكدوا بأنه موضوع غير قابل للطرح للنقاش أصلًا لأنه يمس أمن النظام وجوديًا!
وبقدر ما تبدو الهوة بين مواقف الطرفين كبيرة، لكن في الوقت نفسه فإن النظام الإيراني، وبالرغم من تهديداته المتكررة بالانسحاب من المفاوضات، إلا أنه في الحقيقة، وفي ظل ظروفه وأوضاعه الداخلية الصعبة جدًا، وبشكل خاص احتمالات انفجار الغضب الشعبي بوجهه، إلى جانب التصاعد غير العادي في الصراع بين الأجنحة وظهورها إلى العلن، في أمسّ الحاجة إلى استمرار المفاوضات وعدم التخلي عنها؛ لأن توقفها سيجعله في فوهة مدفع الأوضاع الداخلية الآيلة للانفجار من جهة، وأمام مدفع الصبر الدولي الذي بدوره يوشك على النفاد من جهة أخرى.
ومنذ الأيام الأولى التي جلس فيها ممثلو النظام الإيراني على طاولة التفاوض، فإن عزمهم على عدم التخلي عن هدفهم الأساسي المتمثل في امتلاك السلاح النووي بقي محور وأساس طريقة وأسلوب تفاوضهم؛ وهم لأجل ذلك استخدموا الكذب والخداع والتمويه والمراوغة، ولم تتمكن أي جولة من جولات التفاوض من جعلهم يقبلون بأي مطلب يمهد لتخليهم عن حلمهم النووي.
غير أن الملاحظة المهمة هنا، تكمن في أن المجتمع الدولي عمومًا، والبلدان الغربية والولايات المتحدة الأميركية خصوصًا، قد استمروا في مفاوضات من أجل دفع النظام الإيراني للتخلي عن حلمه النووي وكذلك عن مشروعه ومخططاته التوسعية في المنطقة، تبين أنها ولحد الآن لم تكن سوى مفاوضات عبثية؛ لأنها لم تحقق أيًا من الأهداف التي سعوا إليها، ولا سيما وقف مساعيه السرية لامتلاك السلاح النووي. والذي يمكن ملاحظته في هذا السياق وأخذه بنظر الاعتبار والأهمية الكبرى، أن هذه المفاوضات منذ بداية انطلاقها ولحد الآن كانت ولا تزال تصب في صالحه، وحتى إنها خدمته وساهمت في تقويته وترسيخ بقائه.
إن الاتفاق الذي يريده النظام الإيراني هو ذلك الاتفاق الذي يسمح له بالمحافظة على ركائزه وعلى سياساته ومخططاته؛ وهو في هذا السياق يقوم ببيع الوهم مقابل حصوله على مكتسبات تساعده وتمنحه القوة، في وقت أدرك فيه العالم كله، وبشكل خاص البلدان الغربية، أن الطرف الخاسر والذي أُلحق به الضرر على الدوام، كان ولا يزال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة المغيبة عمدًا من قبل دوائر المساومة؛ في حين أنه الطرف الوحيد الذي بإمكانه حسم المطالب الدولية وتغيير المعادلة مع النظام لأنه أساسًا يعارضه ولا يقبل به، وهذا هو السياق الأهم في المعضلة الإيرانية برمتها.
وبناءً على ذلك، وعطفًا على ما طرحتُه في عنوان هذا المقال؛ فإن الرد الحاسم والجواب الحقيقي الذي ينتظره النظام الإيراني، سيتلقاه دويًا يوم السبت الموافق 20 حزيران (يونيو) الجاري في قلب العاصمة الفرنسية باريس، من عشرات الآلاف من الإيرانيين التواقين لتحرير وطنهم من ربقة الاستبداد الديني؛ أولئك هم أنصار منظمة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذين يحملون إيمانًا راسخًا وعقيدة لا تتزحزح بالديمقراطية وإقامة جمهورية شعبية تنبثق من أصوات الشعب الحرة، ليرددوا بصوت واحد: "إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية، لا للشاه ولا للملالي". وإن هذه التظاهرة الكبرى ستؤكد مرة أخرى على هذا الموضوع ومواضيع استراتيجية أخرى لا يمكن حسمها نهائيًا إلا بإسقاط النظام وإقامة الجمهورية الديمقراطية الحرة.


