لم تكن الصحافة الإلكترونية العربية، في بداياتها، سوى فكرة يحاصرها التردد، ويخشى كثيرون أن تصمد أمام وهج الورق، وسطوة الصحف التقليدية، وهيبتها الممتدة لعقود طويلة.
لكن بعض المشاريع لا تولد لتكون مجرد تجربة، بل تولد لتصنع مرحلة جديدة كاملة.
وهنا تحديدًا، حضرت إيلاف.
حين أطلق الأستاذ عثمان العمير مشروعه الإعلامي من لندن، لم يكن يقدّم صحيفة إلكترونية عابرة، بقدر ما كان يفتح نافذة عربية مختلفة على العالم، نافذة أكثر سرعة، وأكثر جرأة، وأوسع أفقًا، وأقرب إلى القارئ العربي أينما كان.
ومنذ انطلاقتها قبل ربع قرن، لم تعتمد إيلاف على الضجيج، بل على الحضور المهني، والسبق، والقدرة على قراءة التحولات قبل وقوعها أحيانًا.
كانت تدرك أن الإعلام لا ينتظر المتأخرين، وأن القارئ العربي تغيّر، وأصبح يبحث عن المعلومة السريعة، والتحليل العميق، والطرح المختلف، والمنصة التي تواكب العالم بلغة يفهمها، بل وتحترم وعيه.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول إيلاف مع مرور السنوات إلى منصة عربية ذات حضور دولي تستقطب الكتّاب، والمثقفين، وصنّاع الرأي، من مختلف الاتجاهات والمدارس الفكرية.
بل إن كثيرًا من الكتّاب باتوا يرون في الكتابة بها مساحة مختلفة، تمنح المقال بعدًا عربيًا أوسع، وحضورًا يتجاوز الحدود المحلية إلى فضاء أكثر اتساعًا وتأثيرًا.
ولأن النجاح الحقيقي لا يصنعه التمويل وحده، ولا التقنية وحدها، بل تصنعه الفكرة أولًا، ثم الإيمان بها، ثم القدرة على تطويرها، فقد استطاع الأستاذ عثمان العمير بخبرته المهنية أن يحوّل مشروعه إلى تجربة إعلامية عربية رائدة، سبقت كثيرًا من المؤسسات في فهم المستقبل الرقمي للإعلام.
لقد آمن مبكرًا بأن الصحافة القادمة لن تعترف بالجغرافيا، ولا بحواجز المسافات، ولا حتى بتوقيت المدن.
ولهذا بقيت إيلاف حاضرة في المشهد، متجددة في أدواتها، محافظة على اسمها، ومكانتها، وخصوصيتها، بالرغم من التحولات الكبرى التي عصفت بالإعلام حول العالم.
وإذا كانت بعض الصحف تُقرأ داخل حدودها، فإن إيلاف استطاعت أن تُقرأ عربيًا، وأن تُناقَش عربيًا، وأن تصنع لنفسها جمهورًا يمتد من الخليج إلى المغرب العربي، ومن العواصم العربية إلى الجاليات العربية في الغرب.
ولعل أجمل ما في التجارب الناجحة، أنها لا تكتفي بالاستمرار، بل تخلق حولها حالة احترام، وتنافسًا مهنيًا مشروعًا، ورغبة لدى الكتّاب في أن يكون لهم حضور داخل هذا المشروع الإعلامي المختلف.
وفي زمن تغيّرت فيه أدوات الإعلام، وتسارعت فيه الأحداث، وتبدّلت فيه اهتمامات القارئ، تبقى المشاريع التي تقوم على الرؤية، والخبرة، والجرأة المهنية، هي الأقدر على البقاء.
وإيلاف كانت، ولا تزال، واحدة من تلك التجارب العربية التي فهمت المستقبل مبكرًا، فسارت إليه بثقة.
وفي مقدمة ذلك كله، يبقى اسم الأستاذ عثمان العمير حاضرًا بوصفه أحد أبرز الأسماء التي قرأت المشهد الإعلامي بعين سبقت زمنها، فاستحق أن يُذكر مشروعه باحترام، وأن يُشار إليه كتجربة عربية جديرة بالتقدير.
وفي النهاية، ليست كل صحيفة مجرد منصة نشر، فهناك صحف تصنع خبرًا، وهناك صحف تصنع أثرًا.

