: آخر تحديث

إيلاف... ربعُ قرنٍ من صناعةِ الضوء

6
4
4

في زمنٍ كانت فيه الصحافةُ الورقيةُ تُمسكُ بمفاتيحِ المشهدِ العربي، وتتعاملُ مع الخبرِ بوصفه سلطةً لا تُنازع، كانت هناك نافذةٌ صغيرةٌ تُفتحُ بهدوءٍ في لندن لكنها لم تكن نافذةً عابرة، بل كانت بدايةَ زلزالٍ إعلاميٍّ كامل. فهناك وُلدت إيلاف، لا كصحيفةٍ تبحثُ عن مكانٍ بين الآخرين، بل كفكرةٍ جاءت قبل أوانها، وكعقلٍ صحافيٍّ قرأ المستقبلَ مبكرًا، وفهم أن العالمَ يتغيّر، وأن الحبرَ سيغادرُ الورقَ يومًا ليستقرَّ داخلَ الضوء.

وهنا علينا أن نُشيرَ إلى أولئك الذين كانوا خلفَ هذه التجربةِ الاستثنائية، وخلفَ أولِ صحيفةٍ إلكترونيةٍ عربية، والذين آمنوا مبكرًا أن المستقبلَ لن ينتظرَ المترددين، وأن الصحافةَ ليست ورقًا فقط، بل رؤيةٌ تسبقُ زمنَها. وعلى رأسهم عرّابُ الصحافةِ العربية، الأستاذ عثمان العمير، ذلك الرجلُ الذي لم ينظر إلى إيلاف كموقعٍ إلكترونيٍّ عابر، بل كمشروعِ وعيٍ عربيٍّ كامل، وكمغامرةٍ صحافيةٍ كبرى سبق بها زمنَه بسنوات. ولقد وضع الأستاذ عثمان العمير في إيلاف خلاصةَ خبراتهِ الطويلة، وتجربتَه العميقة، وعقله الصحافيَّ الذي يعرفُ جيدًا كيف تصلُ الكلمةُ إلى القارئ، وكيف يتحوّلُ الخبرُ إلى أثر، وكيف تُشيَّدُ المنابرُ الراسخةُ التي يعبرُ الزمنُ من حولها بينما تتساقطُ الضوضاءُ العابرة. فلم يكن يقود صحيفةً فقط، بل كان يقودُ فكرةَ عبورِ الإعلامِ العربي من الورقِ إلى المستقبل، ومن الحدودِ الضيقة إلى فضاءِ التأثيرِ العالمي.

ولا بدَّ كذلك أن نُشيدَ بالطاقمِ الإداريِّ والتحريريِّ، وبكلِّ الذين ساهموا في بزوغِ فجرِ إيلاف، أولئك الذين عملوا خلفَ الكواليس بصمتٍ الكبار، وآمنوا بأن النجاحَ الحقيقيَّ لا تصنعه الأسماءُ وحدها، بل تصنعه أيضًا العقولُ التي تُدير، والأقلامُ التي تكتب، والقلوبُ التي تؤمن بالفكرة حتى النهاية. فكلُّ سطرٍ نُشر، وكلُّ رأيٍ عبر، وكلُّ مساحةٍ فكريةٍ وصلت إلى القارئ العربي، كان خلفها جيشٌ من الجهدِ والإيمانِ والعملِ اليوميِّ الشاق، حتى تحوّلت إيلاف إلى هذا الحضورِ العربيِّ الراسخ الذي نراه اليوم.

فلم تكن إيلاف مجردَ موقعٍ إلكتروني، بل كانت أوّلَ تمرّدٍ عربيٍّ أنيق على الشكل التقليدي للصحافة. وحين كان كثيرون ينظرون إلى الإعلام الرقميّ بوصفه مغامرةً مؤقتة، كانت إيلاف تبني بهدوءٍ أرشيفًا كاملًا من الحضور، والرأي، والجرأة، والكتابةِ التي لا تخشى شيئًا، فخمسةٌ وعشرون عامًا لم تكن فيها الرحلةُ سهلة، فالصحافةُ الرقميةُ العربيةُ لم تولد في بيئةٍ مهيّأة، بل خرجت من بين شكوكٍ كثيرة، ومقاومةٍ شرسةٍ من ذهنيةٍ اعتادت أن ترى الصحيفةَ ورقًا فقط، وترى الكاتبَ أسيرَ المساحةِ والرقابةِ والخطوطِ الحمراء.

لكن إيلاف فعلت شيئًا مختلفًا، حيث منحت الكاتبَ العربيَّ مساحةً يتنفّس فيها، وأعادت للرأيِ قيمتَه، وللنصِّ هيبتَه، وللفكرةِ مكانتَها التي تستحقّها. ولهذا لم تكن صفحاتُها مجردَ أخبار، بل كانت ممرًّا واسعًا لعبورِ المفكرين، والأدباء، والشعراء، وأصحابِ الأسئلةِ الكبيرة. ففي إيلاف لم يكن الكاتبُ يبحثُ عن زاويةٍ للنشر فقط، بل كان يبحثُ عن قارئٍ حقيقي، وعن منبرٍ يفهم أن الكلمةَ ليست حشوًا يوميًّا، بل أثرٌ طويلُ العمر.

ولهذا استطاعت إيلاف أن تتحوّل من صحيفةٍ إلكترونية إلى ذاكرةٍ عربيةٍ كاملة، تُسجّل تحوّلاتِ السياسة، وتقلّباتِ الثقافة، وتغيّرَ الإنسانِ العربيّ في عصرٍ كان يركضُ بسرعةِ الضوء. ولقد تغيّر شكلُ الإعلام كثيرًا خلال ربعِ قرن، وسقطت أسماءٌ كبيرة، وتبدّلت خرائطُ التأثير، وظهرت منصاتٌ واختفت أخرى، لكن القليل فقط هو من استطاع أن يبقى محتفظًا بهويته وصوته واحترامه. وإيلاف كانت واحدةً من تلك الأسماء التي لم تركض خلف الضجيج، بل صنعت حضورها بالعقل، وباللغة، وبقدرتها على أن تكون مساحةً حرةً دون أن تفقدَ رصانتَها.

وحين نقرأ اليوم يوبيلها الفضي، فنحن لا نحتفلُ بصحيفةٍ فقط، بل نحتفلُ بفكرةٍ عربيةٍ نجحت في أن تنتصر على الزمن، وأن تثبت أن الكلمةَ الحرة قادرةٌ دائمًا على البقاء. فالصحفُ العاديةُ تُطبع ثم تُنسى، أما المنابرُ التي تكتبُ روحَ عصرها، فإنها تتحوّلُ إلى جزءٍ من التاريخ. ولهذا لم تكن إيلاف مجردَ تجربةٍ إعلامية، بل كانت إعلانًا مبكرًا أن المستقبلَ سيبدأ من هنا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.