: آخر تحديث

الحاجة إلى رؤية أمنية خليجية جديدة

3
5
5

ليست الحرب الثلاثية الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية مجرد محطة عابرة في تاريخ المنطقة، بل تبدو مرحلة فاصلة بما تحمله من تداعيات سياسية عميقة على أطرافها كافة. فهي حرب إقليمية تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة، لتغدو جزءًا من سياق كوني أوسع، تشارك فيه الولايات المتحدة بوصفها القوة الأحادية الكبرى، وإسرائيل محمولة على حلم "إسرائيل الكبرى"، وإيران باعتبارها دولة ذات طموحات إمبراطورية واسعة.

والمفارقة الكبرى في هذه الحرب أن منطقة الخليج العربي ودولها وجدت نفسها مسرحًا مباشرًا لهذه المواجهة. وبالرغم من عقلانية قراراتها وحكمة سياساتها، فإنها أصبحت هدفًا مباشرًا للاعتداءات الإيرانية. وكما قال محمد حسنين هيكل قبل سنوات طويلة، إن هدف إيران الأول هو زعزعة المنطقة وضرب الدول العربية باستخدام وكلائها. وهذا ما حدث فعلاً، بل إن أبرز تداعيات هذه الحرب المباشرة كان على أمن الدول الخليجية العربية، إذ أعادت بقوة طرح مفهوم الأمن الخليجي في ضوء المتغيرات الجديدة، وفرضت على هذه الدول مراجعة شاملة لمحددات الأمن ومكوناته، انطلاقًا من أن المفاهيم التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التهديدات والتحديات التي فرضتها الحرب، ومن الحاجة الملحة، أولاً، إلى رؤية وطنية تعزز أمن كل دولة من دول الخليج.

ولعل قضية الأمن تُعدّ من الأولويات القصوى، وتشكل أعلى درجات المصلحة العليا لهذه الدول، بالنظر إلى ما حققته من إنجازات تنموية وتطور سياسي شامل في بناء أنظمة حكم ناجحة. فالمحافظة على هذه الإنجازات تمثل أحد أهم مكونات الأمن، سواء على المستوى الوطني لكل دولة، أو على المستوى الجمعي الخليجي.

ومنذ نشأتها، لم تكن دول الخليج دولًا تتبنى خيار الحرب، بل انتهجت سياسات تدعو إلى السلام والتعايش المشترك والتسامح وبناء علاقات جوار سلمية بعيدة من المواجهة، وخصوصًا مع إيران، باعتبارها الدولة الجارة على الشاطئ الآخر للخليج. وقد تجسدت هذه السياسة بالرغم من احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث، وتهديدها بضم البحرين، وإصرارها على تسمية الخليج بالخليج الفارسي، ومع ذلك ما زالت دول الخليج تحتفظ بعلاقاتها الدبلوماسية معها.

لكن ما جرى في هذه الحرب بلغ مستوى أقرب إلى العدوان المباشر، إذ استهدفت إيران دول المنطقة بذريعة الوجود العسكري الأميركي، وهو ما شكل تهديدًا مباشرًا لأمنها واستقرارها. ومن هنا برزت الحاجة إلى مراجعة جادة، وإلى البحث عن رؤية أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار المعطيات الجيوسياسية والسياسية والأمنية والاقتصادية كافة، انطلاقًا من أن أمن الخليج لا ينحصر في بعده المحلي، بل يمتد إلى أبعاده الإقليمية والعربية والدولية.

إن المطلوب ليس رؤية منغلقة أو انعزالية، بل رؤية تتسم بالحكمة السياسية التي جنبت المنطقة، بل العالم كله، حربًا إقليمية شاملة كان يمكن أن تترك تداعيات كونية على الاقتصاد، وعلى استقرار السلام والأمن العالميين.

لقد وجدت دول الخليج العربي نفسها، ولأول مرة منذ نشأتها الحديثة في سبعينيات القرن الماضي، أمام أصعب اختبار جيوسياسي تواجهه، في حرب ثلاثية جعلت منها مسرحًا مباشرًا لها. كما وجدت نفسها، ولأول مرة أيضًا، أمام إيران جديدة حولت نفسها من دولة خطرة إلى دولة يمكن أن تُقرأ بوصفها تهديدًا مباشرًا، وربما عدوًا محتملاً لأمن الخليج.

وهذا ما أدخل المنطقة في ما يشبه "فخ ثيوسيديدس" الأمني، واستدعى مقاربة حاسمة تشبه حسم الإسكندر المقدوني للعقدة الغوردية، أي معالجة العقدة الأمنية من جذورها لا الاكتفاء بإدارة مظاهرها.

من هنا، طُرحت المقاربات والسيناريوهات كلها للوصول إلى رؤية أمنية خليجية جديدة، تأخذ في الاعتبار، أولًا، الأمن الوطني لكل دولة خليجية على حدة، وثانيًا، الأمن الخليجي المشترك في إطار مجلس التعاون الخليجي، عبر تفعيل دوره الأمني، والبحث عن منظومة أمنية خليجية موحدة، وتقوية قدراتها الدفاعية الرادعة.

وثالثًا، لا بد من إعادة النظر في مستوى العلاقات مع إيران، وفي المقاربات التي يمكن أن تحقق الأمن من دون الانزلاق إلى صدام دائم. وهنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية تقوم على "شعرة معاوية"، أي الجمع بين الحزم والانفتاح، والردع والحوار. وكما أشار الدكتور أنور قرقاش، فإن الإمارات تتمسك بالحل السياسي التفاوضي مع إيران، ولم تسعَ إلى هذه الحرب، ولا يمكن أن تُبنى العلاقات الخليجية ـ الإيرانية على المواجهات والصراعات في منطقة تجمع شعوبها روابط جغرافية وتاريخية متجذرة.

ورابعًا، ينبغي النظر إلى الأمن الخليجي ضمن إطاره العربي الأوسع، على اعتبار أن الأمن العربي يشكل إطارًا تفرضه المصلحة العربية الواحدة، والوحدة الجغرافية، والعلاقات التاريخية، وتشابك المصائر السياسية والاستراتيجية.

أما خامسًا، فيتصل الأمر بالمستوى الدولي، ذلك أن منطقة الخليج العربي كانت دائمًا منطقة استهداف دولي، ومركزًا في أولويات القوى الكبرى. بدأ ذلك في مرحلة الثنائية الدولية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث تمثل الهدف الأميركي الثابت في ضمان تدفق النفط وحماية أنظمة الحكم في المنطقة، بينما سعى الاتحاد السوفيتي إلى الوصول إلى المياه الدافئة. ثم جاءت مرحلة الأحادية الأميركية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وما رافقها من سيطرة أميركية عالمية وتعميق للتحالفات الاستراتيجية مع دول المنطقة. وبعد ذلك، دخلت المنطقة مرحلة الشراكات الاستراتيجية المتعددة التي تتبناها دول الخليج اليوم، مع تنامي دورها ومكانتها الإقليمية والدولية.

فدول الخليج لم تعد دولًا تابعة أو صغيرة بالمعنى التقليدي، بل أصبحت دولًا مؤثرة وفاعلة، تمتلك عناصر قوة شاملة حولتها إلى قوى متوسطة ذات وزن متقدم، بل إلى ما هو أبعد من ذلك، بفضل علاقاتها الإنسانية والاقتصادية، وقوتها الناعمة، وقدرتها على التأثير في مسارات السياسة والاقتصاد والتنمية إقليميًا ودوليًا.

إن هذه المستويات الخمسة تشكل أساس أي رؤية أمنية خليجية جديدة، تبدأ من أمن كل دولة على حدة، لكنها لا تكتمل إلا ضمن منظومة أمنية متكاملة. فنحن أمام نموذج فريد في مفاهيم الأمن، قد يقترب في بعض أبعاده من التجربة الأوروبية، عبر التفكير في صيغة تشبه "ناتو خليجيًا" قويًا وفاعلًا، يمنح دول الخليج استقلالية أكبر في بناء منظومة أمنية دفاعية ذات قدرة ردع واضحة، قادرة على حماية أمنها وإنجازاتها ومكانتها ودورها الدولي.

لقد بات أمن هذه الدول مسألة تتجاوز حدودها الوطنية، وأولوية تهم سائر القوى الدولية، كما تهم مستقبل النظام الدولي نفسه، نظرًا إلى ما تضطلع به دول الخليج من دور فاعل في حفظ الأمن والسلام العالميين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.