: آخر تحديث

وجع الغربة في كولورادو

6
6
5

في كولورادو، تلك الولاية التي تبدو في الصور كأنها قطعة هادئة من الحلم الأميركي، بدأت واحدة من أكثر تجاربي الإنسانية التباسًا وعمقًا. لم تكن زيارتي الأولى إلى الولايات المتحدة الأميركية رحلة سياحية عابرة، ولا نزوة شاب أراد التقاط صورة أمام ناطحات السحاب أو التجوّل بين المدن اللامعة، بل كانت محاولة شخصية لاختبار الحياة في مكان ظلّ طويلًا حاضرًا في خيال الناس بوصفه أرض الفرص الكبرى والنجاحات الممكنة. وعلى امتداد سنوات لاحقة، تعددت زياراتي إلى أميركا حتى تجاوزت السبع عشرة زيارة، تنقلت خلالها بين ولايات عديدة، ذهابًا وإيابًا، وكأنني أعيش حياة معلّقة بين عالمين، عالم أحمله في الذاكرة اسمه الوطن، وآخر أحاول أن أجد فيه مكانًا يصلح للحياة.

كانت معظم تلك الرحلات مرتبطة بالعمل لا بالنزهة. وحتى الوصول إلى الولايات المتحدة لم يكن أمرًا سهلًا أو عاديًا، فالحصول على التأشيرة الأميركية كان بالنسبة إلى كثيرين يشبه شهادة اعتراف بالنجاح الاجتماعي أو العبور إلى طبقة أخرى من الأحلام. قبل كل سفر كنت أبدأ رحلة طويلة من الموافقات الرسمية، من المدير إلى المحافظ، ثم إلى الوزير الذي يوقّع في النهاية على قرار الإجازة من الوظيفة الحكومية التي كنت أعمل بها. وكان في داخلي دائمًا شعور غريب بأنني لا أستأذن للسفر فقط، بل أستأذن للحلم أيضًا.

حصلت على أول تأشيرة في صيف عام 1999، ومن المصادفة أن يكون ذلك في الأيام التي تحتفل فيها الولايات المتحدة بعيد استقلالها. يومها شعرت أن العالم يفتح أمامي نافذة واسعة، وأن مستقبلًا جديدًا ربما ينتظرني خلف المحيطات. وبعد نحو أسبوعين فقط، حزمت حقائبي وانطلقت في رحلة طويلة بدأت من دمشق إلى عمّان، ثم إلى إيرلندا، فشيكاغو، وصولًا إلى ولاية كولورادو. كانت الرحلة مرهقة إلى حدّ الإنهاك، لكن التعب كان يختلط بفرح داخلي لا يوصف، فرح الإنسان الذي يلامس للمرة الأولى مكانًا طالما سمع عنه في الحكايات والأفلام وأحاديث الناس.

حين حطت الطائرة في مدينة دنفر، عاصمة ولاية كولورادو، كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا. كان الليل الأميركي مختلفًا عن ليالي دمشق، أكثر هدوءًا، وأكثر برودة، وربما أكثر وحدة أيضًا. هناك، في المطار الحديث الواسع، استقبلني صديقي أبو عمار برفقة والدته بحفاوة عربية خففت عني شعور الغربة الأول. كان في استقبالهم شيء من دفء البيوت الشرقية، كأنهم يحاولون انتشالي من تلك المسافة الهائلة بين الوطن والمنفى المؤقت.

في اليوم التالي بدأت العمل مباشرة مع الفريق الذي يشرف عليه أبو عمار. كان يقود شاحنة متوسطة الحجم منذ الصباح الباكر حتى ساعات الليل المتأخرة، متنقلًا بين الأسواق والمحال التجارية الكبرى. لم يكن العمل تقليديًا، بل أقرب إلى مطاردة يومية للرزق، كنا نبحث عن علب حليب الأطفال داخل المتاجر الضخمة، نشتريها بكميات كبيرة ثم نعمل على تجميعها وشحنها إلى ولايات أخرى لبيعها بأسعار أعلى. بدا الأمر في البداية غريبًا بالنسبة إلي، لكنه كشف لي سريعًا الوجه الخفي للحياة هناك، حيث يتحول الإنسان إلى آلة تركض طوال الوقت خلف الربح، حتى لو كان الربح معلقًا على علب حليب أطفال.

أدركت بعد أسابيع قليلة أن الحلم الأميركي ليس دائمًا بالصورة التي تصل إلينا. خلف الأبنية المرتبة والشوارع النظيفة، كانت هناك حياة قاسية تلتهم أعصاب الناس وأوقاتهم وأعمارهم. الجميع يعمل، والجميع يركض، والجميع يخاف من السقوط. حتى العلاقات الإنسانية كانت تبدو أحيانًا سريعة وباردة، كأن الزمن هناك لا يمنح أحدًا فرصة كافية للتأمل أو الراحة.

لم أستمر في ذلك العمل أكثر من شهر، ثم انتقلت للعمل في مطعم عربي يعود لطبيب معروف، وكان يديره شاب مغربي. وبالرغم من أن الأجر هناك كان ضعف ما أتقاضاه في العمل السابق، فإنني لم أشعر براحة حقيقية. ربما لأن المشكلة لم تكن في المال وحده، بل في ذلك الإحساس العميق بأن الإنسان مهما حاول التأقلم يبقى يحمل داخله شيئًا من التشظي حين يعيش بعيدًا عن بيئته الأولى.

كانت الغربة تسرقني ببطء. في الليل، كنت أشعر أن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات فقط، بل بالأرواح أيضًا. كنت أشتاق إلى تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها الناس عادة، إلى صوت الباعة في الشوارع، إلى رائحة الخبز الساخن، إلى الجلسات العائلية البسيطة، وحتى إلى الفوضى التي كنا نتذمر منها دائمًا. هناك فقط فهمت أن الوطن ليس مكانًا مثاليًا كما نتخيله، بل هو ذلك الجزء الذي يسكن داخلنا مهما ابتعدنا عنه.

بعد فترة قصيرة، قررت العودة إلى سوريا، وكأنني أهرب من تعب داخلي أكثر مما أهرب من أميركا نفسها. غادرت كولورادو عبر الخطوط الجوية الأردنية، وحين حطت الطائرة في مطار دمشق شعرت بصدمة معاكسة. كنت قد عدت إلى وطن يفتقد إلى كثير من مقومات الحياة الكريمة، وطن يرهق أبناءه بالتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. يومها لعنت اللحظة التي فكرت فيها بالعودة، لا كرهًا لبلدي، بل لأن المقارنة بين العالمين كانت موجعة إلى حدّ القسوة.

وفي الرّقة، مسقط رأسي، شعرت أنني غريب بطريقة مختلفة. كنت أرى الشباب يواجهون أشكالًا متعددة من الإحباط والمهانة والانتظار الطويل، بينما تُستهلك أعمارهم في محطات من الكذب والنفاق والوعود المؤجلة. ومع ذلك، كان ثمّة شيء خفي يشدني إلى المكان بالرغم من كل ما فيه من تعب. ربما لأن الإنسان لا يستطيع اقتلاع ذاكرته بسهولة، ولا يمكنه أن يتحول إلى كائن بلا جذور مهما حاول.

لكن المفارقة أنني، وبعد أقل من شهر، عدت أدراجي مرةً أخرى إلى كولورادو. كان القرار أشبه باعتراف صامت بأن الحياة أحيانًا تدفعنا إلى الاختيار بين ألمَين، لا بين راحتين. هناك في أميركا كنت أتحمّل قسوة الغربة والعمل والوحدة، وهنا كنت أواجه قسوة الواقع وضيق الحياة وانكسارات الإنسان اليومية. وبين هذا وذاك، ظل السؤال يرافقني دائمًا: أيهما أشدّ قسوة على الإنسان، أن يعيش بعيدًا عن وطنه، أم أن يعيش في وطن لا يستطيع أن يمنحه ما يستحقه من كرامة وأمل؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.