: آخر تحديث

من الجيوش إلى الأسواق… كيف تغيّرت طبيعة القوة؟

4
4
4

لم تعد الحروب تبدأ بالدبابات كما اعتاد العالم طوال القرن الماضي، وما يتغيّر اليوم ليس شكل الصراع فقط، بل تعريف القوة نفسه، فالدول الكبرى لم تعد تعتمد على الجيوش وحدها لفرض النفوذ أو إضعاف الخصوم، بل باتت تستخدم أدوات كانت تُصنَّف سابقًا ضمن المجال الاقتصادي البحت، مثل الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والعقوبات والموانئ والعملات وحتى الغذاء. وكما نُسب إلى هنري كيسنجر، فإن: "من يسيطر على الغذاء يسيطر على الشعوب، ومن يسيطر على الطاقة يسيطر على قارات كاملة". تبدو هذه العبارة اليوم أقرب إلى وصف دقيق لطبيعة العالم الجديد منها إلى مجرد تأمل سياسي قديم، فالأسواق لم تعد مجرد مساحة للتجارة، بل تحولت تدريجيًا إلى ساحات اشتباك لا تقل خطورة عن ميادين القتال التقليدية.

هذا التحول لم يظهر فجأة، لكنه تسارع بوضوح خلال السنوات الأخيرة، فالعقوبات الغربية على روسيا بعد حرب أوكرانيا لم تكن مجرد إجراءات مالية عابرة، بل واحدة من أوسع حملات الضغط الاقتصادي في التاريخ الحديث، حيث تجاوز عدد العقوبات المفروضة على موسكو ستة عشر ألف عقوبة، وفق تقديرات دولية. وفي المقابل، لم تتعامل روسيا مع الطاقة باعتبارها سلعة فقط، بل باعتبارها أداة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لإرباك أوروبا وإعادة حسابات الشتاء والطاقة والتضخم داخل القارة. وهنا لم تعد الحرب محصورة في خطوط النار، بل امتدت إلى خطوط الغاز والموانئ والبنوك وشبكات الدفع والتأمين.

الأمر نفسه يتكرر في التنافس الأميركي الصيني، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول النفوذ العسكري في آسيا، بل حول السيطرة على الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا المتقدمة وسلاسل التوريد والمعادن النادرة، حيث إن تايوان وحدها تنتج أكثر من ستين في المئة من أشباه الموصلات عالميًا، ونسبة تتجاوز تسعين في المئة من الرقائق المتقدمة، وهو ما يفسر لماذا تحولت هذه الصناعة إلى قضية أمن قومي بالنسبة إلى القوى الكبرى. وفي هذا السياق، لم يعد منع تصدير التكنولوجيا الحساسة إلى الصين مجرد قرار تجاري، بل جزءًا من معركة أوسع على من يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.

بلا شك، حتى الأزمات التي بدت في ظاهرها صحية أو لوجستية كشفت حجم هذا التحول، حيث إن جائحة كورونا لم تكن مجرد أزمة طبية، بل لحظة صدمة عالمية أدركت خلالها الدول أن الاعتماد الكامل على الخارج في الصناعات الحيوية يمكن أن يتحول خلال أيام إلى نقطة ضعف استراتيجية. واكتشفت دول كبرى أنها غير قادرة على توفير الكمامات أو الأدوية أو الشرائح الإلكترونية بالسرعة المطلوبة، لأن سلاسل الإمداد التي بُنيت على أساس الكفاءة الاقتصادية لم تكن مصممة لتحمل صدمات سياسية أو جيوسياسية بهذا الحجم.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من إعادة تعريف الأمن القومي نفسه. فلم يعد الأمن يعني فقط امتلاك جيش قوي أو منظومات دفاع متقدمة، بل القدرة على حماية الاقتصاد من التعطيل، وضمان استمرار الإمدادات، وتأمين الغذاء والطاقة والتكنولوجيا والقدرة الصناعية وقت الأزمات. وقد لخّصت رئيسة المفوضية الأوروبية هذا التحول بعبارة مباشرة حين قالت إن: "الأمن الاقتصادي هو أمن قومي". ولم تعد هذه الجملة توصيفًا نظريًا، بل قاعدة تتعامل على أساسها الدول الكبرى في إعادة بناء سياساتها الصناعية والتجارية.

الحقيقة أن الاقتصاد لم يعد يتأثر بالحرب فقط، بل أصبح يُستخدم لشن الحرب نفسها، حيث إن العقوبات، وتجميد الأصول، وقطع التكنولوجيا، وتعطيل المدفوعات، والتحكم بالممرات البحرية، والضغط على سلاسل التوريد، كلها أدوات تُستخدم اليوم لتحقيق أهداف كانت الجيوش تُكلَّف بها سابقًا. والفارق أن هذه الأدوات أقل كلفة سياسيًا، وأكثر قدرة على الاستمرار لفترات طويلة، وأحيانًا أكثر إيلامًا من المواجهة العسكرية المباشرة.

بلا شك، فإن هذا ما يفسر لماذا بدأت دول كثيرة تعيد التفكير في مفاهيم كانت تبدو محسومة لعقود، فالكفاءة الاقتصادية لم تعد تكفي وحدها إذا جاءت على حساب الصمود الاستراتيجي. والحقيقة أن الاعتماد الكامل على الخارج لم يعد خيارًا مريحًا كما كان في زمن العولمة المفتوحة. وحتى فكرة "السوق الحر" نفسها بدأت تتراجع أمام اعتبارات الأمن القومي والتنافس الجيوسياسي.

في هذا السياق، لم تعد الدول تُقاس فقط بحجم ناتجها المحلي أو احتياطاتها المالية، بل بقدرتها على تحمّل الصدمات الطويلة. فمن يملك القدرة الصناعية؟ ومن يستطيع إعادة توجيه اقتصاده وقت الأزمة؟ ومن يسيطر على التكنولوجيا الحساسة؟ ومن يضمن استمرار تدفق الطاقة والغذاء والدواء؟ أصبحت هذه الأسئلة جزءًا من معادلة الردع، لا مجرد ملفات اقتصادية منفصلة.

ولهذا بدأت مرحلة جديدة من السباق العالمي، ليس فقط على التسلح، بل على إعادة بناء الاقتصادات بطريقة تجعلها أكثر قدرة على الصمود في عالم يتجه نحو صراعات أطول وأكثر تعقيدًا. فالولايات المتحدة تتحدث عن إعادة الصناعات الحيوية إلى الداخل، وأوروبا تبحث عن تقليل اعتمادها على الطاقة الخارجية، والصين تبني شبكات بديلة للتكنولوجيا والتمويل، ودول أخرى تحاول بناء احتياطيات وقدرات إنتاج محلية تحسبًا لأي اضطراب عالمي واسع.

المشكلة أن كثيرًا من الدول لا تزال تقرأ الاقتصاد بعقلية ما قبل التحولات الكبرى، وتتعامل معه كملف تنموي منفصل عن الأمن القومي، بينما الواقع الجديد يقول إن الاقتصاد نفسه أصبح جزءًا من بنية الردع والسيادة. فالدولة التي تعتمد بالكامل على الخارج في غذائها أو صناعتها أو تقنيتها أو حتى أنظمة الدفع الخاصة بها، تضع جزءًا من قرارها السيادي خارج حدودها، وتصبح أكثر هشاشة عند أول أزمة كبرى. وبالتأكيد، فإن الدول التي لا تبني اقتصادها كمنظومة صمود، قد تكتشف في لحظة ضغط حقيقية أن سيادتها كانت أضعف بكثير مما كانت تتصور.

العالم لا يتجه إلى نهاية العولمة بالكامل، لكنه يتجه بوضوح إلى عالم تُعاد فيه كتابة قواعد الاعتماد المتبادل. فالتجارة ستستمر، والأسواق ستبقى مفتوحة بدرجات مختلفة، لكن الثقة المطلقة في أن الاقتصاد العالمي سيبقى منفصلًا عن الصراع السياسي تبدو فكرة تنتمي إلى مرحلة تتآكل بسرعة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.