: آخر تحديث

عن أي منظومات دفاع جوي تتحدثون؟

4
4
4

يتسم العراق، وخاصة إقليم كوردستان، بتاريخ طويل ومستمر من الاعتداءات والتدخلات التركية والإيرانية، وإن الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي تستهدف الإقليم اليوم من قبل الجارة السيئة إيران وذيولها التي تهيمن على العراق نيابة عن إيران تتجدد مشاهدها اليوم بطرق أخرى بالرغم من الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجارة السيئة من جهة أخرى، والضحية مدنيون أبرياء كل ذنبهم أنهم يعيشون في بلد منزوع السيادة، والمجرم غادر لا أحد يستطيع إيقافه، وكبح جماح هجماته الإرهابية ما دامت الدولة ناقصة السيادة.

أقولها من جديد وبمرارة شديدة إن مشكلة العراق الأساسية تكمن في أن البلد منقوص السيادة ومحتل من قبل الدول الإقليمية والدولية. فإيران وتركيا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى يتحكمون بالبلد، أما الحكومة العراقية فلا حول لها ولا قوة.

السيادة أم أنظمة باتريوت؟
بالرغم من إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران منذ 8 نيسان (أبريل) الماضي، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإبقاء حتى إشعار آخر على الهدنة السارية منذ بداية نيسان (أبريل) الجاري مع إيران، يتعرض الإقليم إلى الاعتداءات المستمرة من قبل الجارة السيئة إيران وذيولها، وحسب الإحصاءات الرسمية المحلية تعرض الإقليم منذ إعلان وقف إطلاق النار للقصف بأكثر من 20 طائرة مسيّرة، إلى جانب الصواريخ الباليستية، وقد استهدفت غالبية الهجمات مخيمات عوائل الأحزاب المعارضة الإيرانية، مما أسفر عن استشهاد عدد من ساكني تلك المخيمات.

وبسبب تواصل الهجمات الإرهابية دعت حكومة الإقليم رسميًا شركاءها الدوليين إلى توفير منظومات الدفاع الجوي لحماية أجواء الإقليم، ناسية أو متناسية بأن منظومات الدفاع الجوي لا تحل مشكلة إقليم كوردستان لأن بكل بساطة العراق تنقصه السيادة قبل أي شيء آخر!

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تتواصل القوات التركية هجماتها وتوغلاتها داخل الأراضي العراقية منذ أكثر من 30 عامًا بذريعة محاربة حزب العمال الكوردستاني التركي، وازدادت هذه الهجمات والتوغلات بعد سقوط الصنم في 2003 عبر احتلال مساحات كبيرة داخل العراق، وإنشاء معسكرات ومقرات لقواتها وقواعدها، بالرغم من إعلان العمال الكوردستاني وبشكل رسمي إيقاف عملياته العسكرية ضد تركيا، وموافقته على نزع السلاح، إلا أن الاستهدافات التركية للمناطق والقرى في الإقليم مستمرة، إلى جانب استمرارها في وجودها العسكري.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون ومحللون، أن استهداف العراق من قبل الدول الإقليمية وميليشياتها يكشف عن افتقار العراق إلى السيادة الحقيقية، بالرغم من أن المادة الأولى من الدستور العراقي تنص على أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، ويرون أيضًا أن ضعف القرار الأمني للحكومة العراقية دفع الفصائل الموالية للدول الإقليمية للتصرف بمسار معارض لمصالح الدولة العراقية محليًا وإقليميًا ودوليًا، وأن شروط تلك الفصائل لوقف عملياتها داخل العراق وخارجه يتمثل بعدم استهدافها من قبل الولايات المتحدة مؤكدة أنها ستستأنف الهجمات على المصالح الأميركية في العراق وخارج العراق في حال فشل الهدنة بين الولايات المتحدة ومرجعها، إيران.

أعتقد جازمًا أن الهجمات التي تنفذها الميليشيات العراقية الموالية للجارة السيئة إيران على إقليم كوردستان ستستمر حتى إذا وقفت الحرب بشكل نهائي، كما تستمر تركيا في تدخلاتها العسكرية في شمال العراق حسب تعبيرها، ويعكس هذا الواقع طبيعة النفوذ الإيراني من جهة، والتركي من جهة أخرى المتجذر في العراق منذ عام 1991، حيث عملت تركيا وإيران بشكل ميداني على توسيع حضورهما السياسي والعسكري والاقتصادي داخل الإقليم ومن خلال الأحزاب الكوردية.

فمن خلال تعزيز علاقتهما مع قوى سياسية كوردية، نجحت إيران وتركيا في ترسيخ شبكة نفوذ عميقة داخل الإقليم، الأمر الذي يجعل من المستحيل فصل ساحة الإقليم عن أي صراع إقليمي ودولي، والحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة والجارة السيئة إيران أثبتت هذه الحقيقة.

وبذلك يجد الإقليم نفسه أمام معادلة معقدة جدًا: فمن جهة يسعى إلى الحفاظ على استقراره الداخلي، ومن جهة ثانية منشغل ومنهمك بخلاف قديم جديد بين السليمانية وأربيل، وهي في الحقيقة خلافات عميقة بين الإخوة الأعداء تتفاعل على وقع الاستقطاب الحزبي، والانقسام الجغرافي، والتنافس على السلطة والثروة، والأبعاد الإقليمية، فعلى سبيل المثال لا الحصر إن اختيار رئيس الجمهورية فتح بابًا جديدًا للصراع الكوردي ـ الكوردي، خصوصًا بين الحزبين الديمقراطي الكوردستاني، والاتحاد الوطني الكوردستاني، وجاءت هذه الخلافات في لحظة حساسة شهدت تباينات حادة داخل المكونات العراقية الثلاثة بشأن تقاسم المناصب العليا، واعتبر الديمقراطي الكوردستاني أن عملية انتخاب رئيس الجمهورية جرت بطريقة خارجة عن النظام الداخلي المصادق عليه في مجلس النواب العراقي، وعليه رفض آلية الانتخاب وأعلن عن عدم تعامله مع الرئيس المنتخب نزار محمد سعيد أميدي باعتبار أنه لا يمثل الأغلبية الكوردستانية، وأعلن سحب نوابه ووزرائه من بغداد لتقييم الأوضاع والتشاور، كما أعلن الدكتور شاخوان عبدالله، وهو رئيس كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في البرلمان العراقي، في بيان له، الموقف الرسمي لحزبه بشأن انتخاب محمد سمعان المتحدث باسم الجبهة التركمانية محافظًا جديدًا لمدينة كركوك، واصفًا العملية بأنها غير شرعية، في الوقت ذاته صرح الاتحاد الوطني بأن انتخاب سمعان كان في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق فندق الرشيد والذي يقضي بتقاسم المنصب، عامان للكورد، وعام للتركمان، وعام للعرب السنة.

مطامع تركية
منذ عام 1991 لم يكف قادة الأتراك عن ترديد التصريحات التي تكشف مطامعهم العدوانية في أرض العراق وثرواته، والمطالبة بعودة ولاية الموصل إلى تركيا، ومنحوا أنفسهم حق الوصاية على تركمان العراق، إلى جانب مواصلة سياستهم التعسفية في مجال المياه ورفض الاعتراف بدجلة والفرات باعتبارهما نهرين دوليين، وما يترتب على ذلك من حقوق تاريخية للعراق في مياهه، كما تهدد تركيا بين فترة وأخرى بالتدخل لحماية المكون التركماني في مدينة كركوك، قلب الطاقة العراقي، وتعتبر أنها موطن التركمان لا تسمح بزعزعة الاستقرار والأمن فيها، وأنها متمسكة بما يعرف بالميثاق الملّي الذي لم يعد فقط وثيقة من القرن الماضي، بل أداة يُعاد إحياؤها لتبرير التحركات الجيوسياسية التركية اليوم، وسط صمت محلي وإقليمي ودولي لافت، ويعتبر الميثاق المذكور كامل شمال وشرق سوريا، وحلب، والموصل، وكركوك، وأجزاء من يونان، وأرمينيا، مناطق تركية مستقطعة يجب إعادتها إلى السيطرة التركية باعتبارها جزءًا من وطن للأمة التركية!

أعتقد جازمًا أن التدخلات والانتهاكات ضد الإقليم ستستمر حتى وإن حصل على منظومات الدفاع الجوي، ما دامت الانتماءات الفرعية هي فوق الانتماء الوطني، ويبقى العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية، وكجزء رئيسي ومهم في المدرك من الاستراتيجي الأميركي في الشرق الأوسط من جهة، وحجر الزاوية في الاستراتيجية الإقليمية من جهة أخرى.

هل حقًا أرسلت أميركا أسلحة إلى الجهات الكوردية؟
زعم ترامب في مقابلة مع مراسل شبكة فوكس نيوز، وفي مقابلات صحفية أخرى، بأن الولايات المتحدة أرسلت أسلحة إلى القوات الكوردية بهدف تسليح المتظاهرين في إيران إلا أنهم احتفظوا بها لأنفسهم، واتهمهم بإفشال خطة انتفاضة مسلحة ضد النظام الإيراني، في حين أكد ترامب نفسه في أول يومين من الحرب أنه لا يريد انخراط الكورد في الصراع!

وردًا على تصريحات ترامب المتكررة حول موضوع اختفاء الأسلحة أو سرقتها نفت الأحزاب الكوردية الإيرانية في بيان مشترك يوم أمس 12 أيار (مايو) الجاري ما ورد على لسان ترامب بشأن دعم كورد إيران بالسلاح والاحتفاظ به دون استخدامه، كما طالبت وبإلحاح بتسمية الجهة التي تم التعامل معها، ودعت في الوقت نفسه الطرف الذي تواصل مع الإدارة الأميركية إلى الكشف عن تفاصيل العملية كاملة، وقالت أيضًا بأن الأسلحة التي بحوزة الأحزاب الكوردية هي أسلحة قديمة.

ويرى مراقبون بأن كلام ترامب حتى إذا كان غير صحيح، إلا أنه يشوه صورة الكورد أمام المجتمع الدولي، واعتبروا أن ادعاء ترامب ناتج عن فشله في المهمة والإطاحة بالنظام الإيراني، ويرون بأن الكورد ليسوا مرتزقة كما ادعى ترامب، وإنما كانوا شركاء حقيقيين للقوات الدولية، وساهموا مساهمة فعالة في هزيمة داعش وقدموا قافلة من الشهداء من أجل ذلك، وأن على أميركا أن تكون شفافة وصريحة وتوضح بوضوح أي جماعة أو قوة أو حزب أو جهة تلقت الأسلحة في حال إذا كان ادعاء ترامب صحيحًا، لأن ليس من المنطق، وليس من المعقول إطلاقًا أن يُتهم شعب مظلوم بسرقة الأسلحة من خلال تصريحات غامضة وغير موثقة، ودون تقديم أي وثيقة عن نوع الأسلحة وعن الجهة التي استلمتها.

ومن الجدير بالذكر أن أميركا لم تساعد يومًا الشعب الكوردي، أو أي شعب آخر يناضل من أجل حقوقه المشروعة، بل كانت ولا تزال تدعم الأنظمة المستبدة والشمولية التي تعطي الأولوية لبقائها في السلطة على حساب حقوق شعوبها المضطهدة.

سلوك وتصريحات ترامب المتناقضة:

إن سلوك ترامب لا يعكس استراتيجية متماسكة بقدر ما يكشف عن فجوة كبيرة بين خطابه السياسي الذي يثير جدلًا واسعًا داخل وخارج الساحة السياسية الأميركية والواقع الميداني، وخاصة بعد أن فشل في حشد الدعم للحرب على إيران لا في الداخل ولا في الخارج من جهة، وفشله في إسقاط النظام الإيراني حتى بعد استهدافه القادة والمؤسسات الرئيسية الإيرانية، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي من جهة ثانية، ناسيًا مستر ترامب أن قدرة النظام الإيراني على الصمود والقدرة على التكيّف مع الضربات مبنية على هيكلية مؤسسية متينة تم تطويرها خلال عقود لتتحمل الصدمات العسكرية والسياسية، وأن صمود الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية لحد هذه اللحظة بوجه أميركا وإسرائيل دليل على ذلك.

إلى جانب تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية من قِبل أعضاء في الكونغرس على إدارة ترامب مع ارتفاع تكلفة العمليات العسكرية ضد إيران، بالتزامن مع تراجع مخزونات الذخائر الأميركية، وخاصة بعد أن أعلنت وزارة الحرب الأميركية في اليوم الـ74 من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عن ارتفاع كلفة عملياتها العسكرية ضد إيران إلى قرابة 29 مليار دولار.

قاآني رأس الحية
ومن المضحك المبكي أن رأس الحية إسماعيل قاآني وصل إلى بغداد يوم السبت المصادف 9 أيار (مايو) الجاري بصورة مفاجئة وللمرة الثانية في أقل من شهر، وكأنه حاكم عسكري فعلي للعراق، ففي زيارته الأولى وتحديدًا في التاسع عشر من الشهر الماضي، التقى رأس الحية بالذيول المرتبطة بفيلقه، والمهيمنة على العراق نيابة عن بلده، وثمن موقفهم وشكرهم على انخراطهم بشكل مباشر في الحرب من خلال مهاجمتهم بالصواريخ والقذائف الباليستية القصيرة المدى، والطائرات المسيّرة لأهداف أميركية وغير أميركية، وتحويل العراق، الساحة الخلفية للجارة السيئة، إلى ساحة حرب بالوكالة، كما انتقد التدخلات الأميركية في تشكيل الحكومة العراقية، والتي تسيطر على عائدات النفط العراقي بالدولار، وقد هددت سابقًا بقطع التمويل للحد من النفوذ الإيراني، وقال قاآني: إن تشكيل الحكومة حق للشعب العراقي، ولا حق لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية التدخل في شؤونه، حسب تعبير رأس الحية! أما في زيارته الثانية، ومع اقتراب حسم ملف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، عقد رأس الحية سلسلة اجتماعات مغلقة مع قيادات سياسية بارزة ضمن الإطار التنسيقي، إلى جانب الذيول المرتبطة بفيلقه، فيلق القدس الإيراني، بشأن آليات تشكيل الحكومة المقبلة برئاسة علي فالح كاظم الزيدي من جهة، ومستقبل شكل العلاقة بين العراق وإيران في المرحلة المقبلة، وخاصة في الملفات المرتبطة بمصير الميليشيات المسلحة، والموالية للجارة السيئة إيران، إلى جانب ملفات أخرى منها الطاقة، والمعابر الحدودية، والتبادل التجاري.

خلاصة القول: لا أعرف عن أي منظومات دفاع جوي تتحدث حكومة الإقليم، والبلد محتل من قبل الأصدقاء قبل الأعداء؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.