: آخر تحديث

حين تصبح الهوية معركة بقاء

3
3
3

في الشرق الأوسط، لا تزال بعض القضايا تُعامل بوصفها ملفات أمنية مؤقتة، بالرغم من أنها في حقيقتها أزمات تاريخية عميقة تتعلق بالهوية والوجود والعدالة السياسية. ومن بين هذه القضايا، تبقى القضية الكوردية واحدة من أكثر ملفات المنطقة تعقيدًا واستمرارية، ليس لأنها نزاع حدودي عابر، بل لأنها تمثل قصة شعب وجد نفسه خارج معادلات القرن العشرين السياسية، بالرغم من حضوره التاريخي والجغرافي والثقافي العريق.

منذ انهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، تشكّلت دول قومية حديثة على أساس هويات مركزية واضحة، بينما بقي الكورد موزعين بين أربع دول رئيسية: العراق وتركيا وإيران وسوريا. وفي الوقت الذي حصلت فيه شعوب كثيرة على دولها الوطنية، وجد الكورد أنفسهم أمام واقع سياسي جديد لم يعترف بحقهم في تقرير مصيرهم، ولا حتى بحقوقهم الثقافية الأساسية في كثير من الأحيان.

لم تكن المشكلة بالنسبة إلى الكورد مجرد غياب الدولة، بل في الطريقة التي تعاملت بها الأنظمة المتعاقبة مع وجودهم القومي. ففي عدد من بلدان المنطقة، سادت لعقود طويلة سياسات تقوم على الإنكار أو الاحتواء أو الصهر القومي، باعتبار أن الاعتراف بالتعددية يشكل تهديدًا لوحدة الدولة. وهكذا تحولت اللغة الكوردية والثقافة الكوردية والهوية القومية إلى ملفات سياسية وأمنية، بدلاً من النظر إليها كجزء طبيعي من التنوع التاريخي والاجتماعي للمنطقة.

في تركيا، مُنعت اللغة الكوردية لعقود طويلة في المؤسسات الرسمية، وتم التعامل مع الكورد بوصفهم "أتراك الجبال" في محاولة لإلغاء الهوية عبر إعادة تعريفها قسرًا. وفي سوريا، عانى آلاف الكورد من الحرمان من الجنسية لعقود، ما خلق جيلاً كاملاً يعيش بلا اعتراف قانوني كامل. أما في العراق، فقد وصلت المواجهة إلى مستويات مأساوية خلال حقب مختلفة، خصوصًا في حملات الأنفال واستخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين في حلبجة، وهي أحداث تركت ندوبًا عميقة في الوعي الكوردي الجماعي وفي ذاكرة المنطقة بأسرها. وفي إيران، بقيت العلاقة بين الدولة والمناطق الكوردية محكومة بالحذر الأمني والصراع السياسي المستمر.

وبالرغم من ذلك، فإن اللافت في التجربة الكوردية هو أن محاولات الصهر القومي لم تنجح في إنهاء الهوية الكوردية، بل ربما عززتها أكثر. فالهوية التي تستند إلى لغة وتاريخ وجغرافيا وذاكرة جماعية يصعب محوها بالقوانين أو الحدود أو القوة العسكرية. ولهذا بقي الكورد، بالرغم من كل التحولات، متمسكين بلغتهم وثقافتهم وروايتهم التاريخية، باعتبارها جزءًا من حقهم الطبيعي في الوجود.

لكن القضية الكوردية اليوم لم تعد مجرد مسألة تخص الكورد وحدهم، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الشرق الأوسط على التعايش مع التعددية. فالدول التي قامت على مفهوم الهوية الأحادية تواجه اليوم تحديات متزايدة في عالم بات أكثر انفتاحًا على مفاهيم الحقوق الثقافية والاعتراف بالتنوع. ولم يعد ممكنًا بناء استقرار طويل الأمد عبر سياسات الإنكار أو عبر فرض هوية واحدة على مجتمعات متعددة القوميات والأديان والثقافات.

التجربة العراقية بعد عام 2003 تقدم مثالاً معقدًا في هذا السياق. فمن جهة، حصل إقليم كوردستان على اعتراف دستوري بوصفه كيانًا اتحاديًا ضمن العراق، وهو تطور تاريخي مهم مقارنة بالمراحل السابقة. لكن من جهة أخرى، بقيت العلاقة بين بغداد وأربيل محكومة بأزمات متكررة تتعلق بالميزانية والنفط والصلاحيات الدستورية وحدود الشراكة السياسية. وفي كثير من الأحيان، شعر الكورد بأن الشراكة الفيدرالية لم تُترجم بالكامل إلى واقع سياسي واقتصادي عادل، بينما تنظر قوى عراقية أخرى بعين الريبة إلى أي توسع في صلاحيات الإقليم.

هذه الأزمة تكشف معضلة أعمق من مجرد خلافات سياسية، وهي غياب الثقة التاريخية بين المركز والأطراف، وبين مفهوم الدولة المركزية ومفهوم الشراكة الفيدرالية. فالقضية بالنسبة إلى الكثير من الكورد لم تعد مرتبطة فقط بالمطالب القومية التقليدية، بل أيضًا بمسألة الكرامة السياسية وضمان عدم العودة إلى مراحل التهميش السابقة.

وفي الوقت ذاته، يواجه الكورد تحديات داخلية لا تقل أهمية عن التحديات الخارجية. فالانقسامات الحزبية والصراعات السياسية الداخلية كثيرًا ما أضعفت الموقف الكوردي، وأثرت على صورة التجربة الكوردية أمام العالم. كما أن الأجيال الجديدة من الشباب الكوردي باتت تطالب بما هو أبعد من الخطاب القومي التقليدي، إذ تبحث عن اقتصاد قوي، ومؤسسات فعالة، وفرص عمل، وحكم رشيد، إضافة إلى الحفاظ على الهوية.

العالم أيضًا يتحمل جزءًا من مسؤولية هذه القضية. فالقوى الدولية استخدمت الكورد في مراحل مختلفة كورقة جيوسياسية، ثم تركتهم يواجهون مصيرهم عند تغير المصالح. حدث ذلك في أكثر من محطة تاريخية، ما خلق شعورًا كورديًا عميقًا بعدم الثقة تجاه الوعود الدولية. وبينما تتحدث القوى الكبرى عن حقوق الإنسان والديمقراطية، غالبًا ما تتراجع هذه المبادئ أمام الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالنفط والأمن والتحالفات الإقليمية.

ومع ذلك، فإن اختزال القضية الكوردية في بعدها الأمني أو الجيوسياسي فقط يمثل خطأً كبيرًا. فالقضية في جوهرها تتعلق بحق شعب في الحفاظ على لغته وثقافته وذاكرته وخصوصيته التاريخية. وهذا الحق لا ينبغي أن يكون محل مساومة سياسية، لأنه جزء أساسي من مفهوم العدالة الحديثة.

الشرق الأوسط لن يتمكن من الوصول إلى استقرار حقيقي ما لم يعترف بأن التنوع ليس تهديدًا، بل حقيقة تاريخية يجب إدارتها بعقلية الشراكة لا بعقلية الهيمنة. فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض هوية واحدة بالقوة، بل التي تستطيع احتضان التعددية ضمن إطار دستوري عادل ومتوازن.

لقد أثبتت العقود الماضية أن محاولات محو الهويات لا تنجح، بل تؤدي غالبًا إلى مزيد من التوتر والانقسام. أما الاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات الثقافية، وبناء أنظمة سياسية عادلة، فهي الطريق الوحيد نحو استقرار مستدام.

الكورد، مثل غيرهم من شعوب المنطقة، لا يطالبون بأن يكونوا فوق الآخرين، بل بأن يُعترف بهم كبشر يمتلكون الحق الطبيعي في الحفاظ على هويتهم ولغتهم وثقافتهم ومستقبلهم السياسي. وهذه ليست قضية قومية ضيقة، بل قضية أخلاقية وإنسانية تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط نفسه.

فحين تتحول الهوية إلى معركة بقاء، يصبح الدفاع عنها غريزة وجود لا مشروعًا سياسيًا عابرًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.