ثمّة كائناتٌ لا تعيش الحياة كما يعيشها الناس، يعيشون حياةً تتسرّب إليهم من شقوق أرواحهم، ويبدو أن الشعراء من أولئك الذين لا يكتفون بعبور الأيام، حين يتركون أرواحهم معلّقةً على مداخل السنوات والأحداث، كأنهم يدفعون ضريبة الشعور مضاعفةً عن الآخرين، لذلك لا يمكن أن نقرأ يوميّات شاعر، أو نتأمل اعترافاته العابرة، دون أن ندرك أن القصيدة لم تكن يومًا مجرد كلماتٍ تُقال، إنها هيئة وجودٍ كاملة، طريقة في احتمال العالم، وشكل آخر من أشكال العيش المؤجل بين الحلم والخذلان، فالشعراء لا يسكنون الواقع تمامًا، وإن بدوا منغمسين فيه، يحملون الخبز إلى أطفالهم بأيدٍ متعبة في حين تتنقل بهم أرواحهم من مكانٍ إلى آخر، مرّةً عند غيمةٍ بعيدة، وتارة يقيمون في ذكرى قديمة، وأحايين كثيرة يسكرون بفكرةٍ لم تكتمل بعد، فتراهم يصرخون أحيانًا في وجوه الحياة بغير قسوة، حين يحييون داخلا مكتظا بالشعر يرهقه الاصطدام المتكرر بعاديّة الأشياء، ولهذا يبدو الشاعر دائمًا كمن يعيش انقسامًا خفيًّا بين ما يراه وما يضطر إلى احتماله، بين المدينة التي يحلم بها، وتلك التي يسكنها بالفعل، ولعلّ أكثر ما يرهق الشاعر بصدق هو عدم استطاعته النظر إلى الأشياء كما هي، فالمطر عنده ذاكرةٌ تهطل على قلبه دفعةً واحدة، والشارع وجوهٌ متعبة وأحلامٌ مسحوقة تمشي بصمت، والقمر ليس جرمًا معلّقًا في السماء، وإنما صديقٌ قديم يطلّ عليه مرة في الشهر كلما ضاقت به الأرض، لذلك يبدو الشعر أحيانًا كأنه لعنة الإدراك الزائد، أو عقوبة الحساسية المفرطة تجاه الوجود، كأن الحياة تهب الشعراء قدرةً استثنائية على الشعور، ثم تتركهم وحيدين أمام هذا الفيض المؤلم من الرؤية، ومن هنا تأتي غربة الشعراء التي تعج بها قصائدهم على مدى تاريخ هذا الفن العظيم، فهم لا يعتزلون العالم لأنهم يكرهونه، وإنما لرؤيته أكثر مما ينبغي، إنهم يتعبون من تفاصيل لا يلتفت إليها الآخرون، ويحزنون لأسباب تبدو تافهة في أعين الناس، بينما تكون في داخلهم انهيارًا كاملًا لمدينةٍ من المعاني، ولهذا يبدون متثاقلين تجاه الرتابة، نافرين من التكرار، عاجزين عن التصالح الكامل مع الحياة اليومية، لأن أرواحهم اعتادت أن تقيم في المناطق التي لا يصلها أحد...!
ومع ذلك، لا يستطيع الشاعر النجاة من شعره حتى لو أراد، كلما حاول أن يكون عاديًّا، أعادته القصيدة إلى ذاته القديمة، إلى ذلك الطفل الذي كان يحدّث الشمس، ويصادق المطر، ويمنح الفراشات أسماءً لايدركها غيره، كأن الشعر ليس موهبةً بقدر ما هو مصيرٌ طويل لا فكاك منه، ولهذا يبقى السؤال الأكثر قسوةً في داخل كل شاعر: ماذا لو لم أكن شاعرًا؟
لكنّ الإجابة تأتيه سريعًا، حين يرى العالم بلا شعر، فيدرك أن المدن ستصبح أكثر صمتًا، والمطر أقلّ دفئًا، والليل بلا أغنيات، وأن الحياة، مهما اتّسعت، ستظل ناقصةً دون تلك القدرة الغامضة على تأويل الألم وتحويله إلى معنى.. هكذا يعيش الشعراء؛ يمشون بين الناس بأجسادهم، بينما تظل أرواحهم معلّقةً في مكانٍ آخر، في مدينةٍ لا يدخلها إلا الذين احترقوا بنار القصيدة..!
فاصلة:
هبْ أنَّكَ الأبديّ
هل تحتاجُ عمرًا آخر تحياه؟
لاااا
لا شيء يغري الريحَ بالصحراءِ
إلا أنها
تَهَبُ الرمالَ السمْرَ رقصتها
وترحل للغيوم..!

