في مؤتمر ميونيخ العالَمي للأمن المنعقد حالياً، وردت إشارات مهمة من أصوات دولية حول أنَّ العالَم الذي نعرف... قد تغيَّر!
وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قال إن «العالَم يتغير بسرعة كبيرة أمام أعيننا». وأضاف روبيو، في تصريحات صحافية فيما كان يتوجَّه إلى مؤتمر ميونيخ للأمن: «لقد ولَّى العالَم القديم... نحن نعيش في عصر جديد في الجغرافيا السياسية». ودعا دول العالَم أجمع إلى «إعادة النظر في شكل هذا العصر والدور الأميركي فيه».
هذا صوتٌ من الغرب، قابله صوتٌ من الشرق هو وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الذي قالَ في المؤتمر نفسه: «النظام العالَمي لم يعد يعمل كما يجب». ولفت إلى أنَّ حرب أوكرانيا أعادت فتح محادثات حول «النظام العالَمي القديم»، معتبراً «أنَّ دول العالَم أصبحت أكثرَ صراحةً بعضها مع بعض».
ما النظام الدولي؟ التعريفات العلمية كثيرة، وليست من هدف هذه المقالة، لكن بأسهل طريق يمكن القول إنَّ النظام الدولي هو الميدان الذي تتفاعل فيه القوى الدولية، وتشمل فيه معالم القوة ومسارات الحركة السياسية العالَمية، هو مجموع هذه التفاعلات على هيئة قوانين ومؤسسات ومبادرات دولية.
في ورقة صدرت عن معهد البحرين للتنمية السياسية، شرحٌ لطبيعة القوى القائدة للعالم، إمَّا أنْ تكونَ مجموعة أقطاب، تكون تفاهماتها أو صراعاتها، هي ما يحدد مصير العالَم، وإما أن تكون قطبية ثنائية، وإما أن تكون قطبية واحدة.
مَن الفاعلون في أي نظام دولي؟
الفاعلون الدوليون -حسب المطالعة السابقة- مجموعة من الأطراف:
دول، ومنظمات دولية، وشركات متعددة الجنسيات، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يلعبون أدواراً دولية، كما هو الحال بالنسبة إلى قادة المنظمات الإرهابية أو تجار السلاح. وأضيف أنا، وقادة الشركات الرقمية العملاقة مثل ماسك وزوكربيرغ وبيسوس، وغيرهم.
لكن بالعودة إلى فكرة القوى القطبية العظمى... كيف تتكوَّن وكيف تتحول؟
جاء في رسم المرجعية التاريخية لهذه القطبيات، في تلك الورقة، الإشارة إلى أنه خلال الفترة الممتدة من معاهدة ويستفاليا حتى الحرب العالَمية الثانية، اتسم النظام الدولي بالتعددية القطبية، حيث كانت هناك مجموعة من القوى السياسية التي تتنافس وتتصارع فيما بينها للسيطرة على القوة السياسية في العالَم، مثل الدولة العثمانية، وإمبراطورية النمسا والمجر، وغيرها من القوى الأوروبية.
لكن بعد الحرب العالَمية الثانية عشنا على ثنائية أميركا ومن معها، وروسيا (الاتحاد السوفياتي) ومن معه، حتى انهيار جدار برلين بداية التسعينات، ليعلن بوش الأب ولادة النظام العالَمي الجديد.
لكنَّ روسيا، والعملاق المستيقظ، الصين، ومن معهما رفضوا الواحدية الأميركية، وجاء ترمب ليؤكد «عظمة أميركا» بصورة غير مسبوقة، بل ليعلن تخيله لمؤسسة النظام الدولي الجديد، مجلس السلام، الذي بدايته من غزة وليس نهايته.
لكن من يستطيع فرض تصور معين لعالم جديد بنظام جديد يُفرَض على الجميع، في ظل هذه القوى المتعددة والدول التي تمتلك الترسانات النووية؟! هذا هو سؤال القرن.

