: آخر تحديث

عزلة جغرافية.. وحرب بلا حلفاء

2
2
2

في كتاباتِه عن السياسة الدولية كان هنري كيسنجر يُكرّر فكرة مَركزية: «الجغرافيا ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل قوة خفية تصنع مصائر الدول. الدولة التي تحسن قراءة موقعها الجغرافي تستطيع تحويله إلى شبكة أمان وتحالفات، بينما الدولة التي تتجاهل تلك الحقيقة قد تجد نفسها معزولة حتى وهي محاطة بالجيران».

هذه الفكرة التي تناولها كيسنجر بوضوح في كتابه «الدبلوماسية»، تبدو اليوم مفتاحاً لفهم أخطر التحولات في الشرق الأوسط. السؤال اليوم: «كيف يمكن لدولة كبيرة مثل إيران وهي واحدة من أعرق الحضارات في التاريخ، أن تقع في فخ مغامرة ثقيلة الثمن على بلدٍ يَحمل هذا الإرث من الحكمة؟».
في نظر كيسنجر، لا تقوم السياسة الدولية على القوة العسكرية وحدها، بل على توازن القوى والتحالفات والجغرافيا السياسية. الدولة التي تحسن إدارة هذه العناصر تستطيع خوض الأزمات بأقل خسائر، أما الدولة التي تزيد من خصومها، فتدخل فيما يسمى «حرب العزلة». العزلة الجغرافية ليست مجرد خلفية للصراع، بل أحد مُحدِّداته الكبرى. فالدول التي تحيط بها شبكة علاقات مُستَقِرة تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى درعٍ سياسية، لكن ما وقعت به طهران اليوم هو العكس. عزلت نفسها عن محيطها الذي تجمعها به علاقات تاريخية واقتصادية ودينية، فحولتها من دول جوار داعمة للسلام الذي هو في مصلحة المنطقة كلها إلى خصوم لا تتوانى عن الهجوم عليها ما أفقدها التعاطف الإقليمي، وزاد في عزلتها. وهذا ما أشار إليه كيسنجر بقوله: «عندما تتحول علاقات الجوار إلى صراع وتوتر دائم، فإن مساحة العزلة تتسع، وفي هذه الحالة تصبح الدولة محاطة بدول قلقة أو معادية ما يضيّق الهامش السياسي، ويجعل أي حرب تخوضها أكثر خطورة».
في المقابل إيران تخوض حربها بلا حلفاء.. روسيا التي لها اتفاقيات تعاون عسكري مع إيران واستخدام مؤقت لقواعد إيرانية وتعاون تقني وعسكري، لم تتدخل مع إيران في حربها فهي، إضافة إلى انشغالها بحربها مع أوكرانيا، لا تستطيع أن تخوض حرباً جديدة ضد أمريكا قد تسبب تهديداً مباشراً لمصالحها التجارية.. أما الصين التي وقعت عام 2021 اتفاقية شراكة لمدة 25 عاماً تشمل التعاون الأمني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء تدريبات ومناورات عسكرية، والتعاون في تطوير الصناعات العسكرية. ورغم أنها شاركت معها في مناورات بحرية مُشتَركة في المحيط الهندي وخليج عمان، وكانت أحياناً بمشاركة روسية، في رسالة واضحة تقول: «التعاون بين هذه الدول هو لمواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة».
رغم ذلك، الصين، مثل روسيا، تركت إيران بلا حلفاء. فالصين ترفض الدخول في حرب ضد أمريكا، فاقتصادها يعتمد على شبكة تجارة هائلة مع أمريكا والخليج. والدخول في الحرب، يعني عملياً صداماً مع أكبر أسواقها التجارية. حجم التجارة بين الصين وأمريكا، يبلغ مئات المليارات من الدولارات سنوياً. الدول عادة لا تخاطر بهذا الحجم من المصالح من أجل شريك واحد. بالنسبة للصين كما روسيا، الدخول في الحرب مع إيران سيحطم التوازنات كلها. هنا تأتي الحقيقة الواضحة، الدول الكبرى لا تدخل حرباً من أجل دولة أخرى إلا إذا كانت مصالحها الحيوية مُهَددة مباشرة.
صحيح أن إيران تعتمد على مخزونها من الأسلحة والصواريخ، لكن في التفكير الاستراتيجي، الحليف قد يكون أحياناً أهم من السلاح نفسه. الدخول في حرب ضد قوى عظمى يحمل أخطاراً كثيرة، ما جعل الدول التي تعاونت عسكرياً مع إيران تكتفي بالتحرك السياسي من دون التورط في مواجهة مباشرة.
درس كيسنجر القديم هو الذي لم تقرأه طهران جيداً: «الدولة التي توسّع دائرة خصومها وتقلّص دائرة أصدقائها تكون قد أضعفت موقفها الاستراتيجي، حتى لو امتلكت أكبر قوة عسكرية»، فالحرب ليست ساحة قتال فقط، بل شبكة مُعَقدة من التوازنات والتحالفات.
ومن عِبَر التاريخ نذكر اليابان 1941 كانت حضارة عريقة وقوة صاعدة، ما جعلها تقاتل وحدها، اعتبرت أن ضربة قوية في بيرل هاربر قد تفرض انتصارها. النتيجة كانت خسارة مُدَمِّرة.
«اللحظة الأخيرة» لأي دولة ليست حين تكون ضعيفة، بل حين تعتقد أنها قادرة على تَحَمّل حرب أكبر مما تسمح به الجغرافيا والتحالفات. كيسنجر كرّر: «الدولة الحكيمة تحاول دائماً أن تتجنب أن تجد نفسها في مواجهة تحالف واسع وهي في عزلة جغرافية.. وبلا حلفاء».

*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد