ترك لنا الفراعنة آثاراً خالدة تتعاقب عليها السنون والقرون فما تنقص منها ولكن تزيدها خلوداً وتضفي عليها المزيد من الأسرار التي يحاول العلماء إلى يومنا هذا سبر أغوارها، والكشف عن معجزات الفراعنة. وعندما ننظر إلى ما تركه لنا الفراعنة من آثار حضارتهم العظيمة نجد الأهرامات التي تبيِّن ما وصل إليه الفراعنة من علوم متقدمة في الفلك والهندسة المعمارية وحساب الزوايا وغيرها من العلوم التي ساعدتهم على تشييد أهرامات شُيِّدت لتبقى إلى الأبد. ومن حول الأهرامات بنى المصريون القدماء مقابر أشبه بالقصور العامرة المزينة بألوان ونقوش وصور كأنها سجل حي لحضارتهم.
ولقد أساء الكثيرون إلى حضارة الفراعنة بالظن بأنهم عاشوا يبنون للموت ويكرسون حياتهم من أجل اكتناز الكنوز والثروات في مقابرهم! والحقيقة أن عشق الفراعنة الحياة هو ما دفعهم إلى بناء الأهرامات والمقابر والمعابد الجنائزية والصرف عليها والاهتمام بعمارتها وإكمالها كدار للبقاء وليس الفناء.
آمن الفراعنة أن الإنسان خلق ليمر باختبار النعم في الحياة، بعدها يموت ليحاسب على ما صنعه في الحياة، ويكون الحساب بوزن القلب «مكمن الأعمال» في مقابل ريشة ترمز إلى الحق والعدل والنظام، أو ما يعرف باسم «ماعت» ونتيجة وزن القلب على ميزان الآخرة يحدد مصير الميت إما جنة وحياة خالدة، وإما عذاب وفناء أبدي.
وبغض النظر عن السؤال المحير الذي دائماً ما يطرح نفسه عن كيف للعقل المصري القديم الوصول إلى هذا الفكر الديني الراقي؟ وهو ما سنناقشه فيما بعد. فما يهمنا هنا هو التأكيد على أن ما كان يشغل الفكر المصري القديم حقاً ودوماً هو الحياة وليس الموت الذي كان بالنسبة إليهم مجرد محطة لا بد من الوصول إليها قبل العبور مرة أخرى إلى الحياة التي هي في تلك المرة حياة لا موت بعدها.
ولأن المصري القديم كان يؤمن بأن أفضل حياة على الأرض هي التي يعيشها على ضفاف نهر النيل في قلب صحراء تحميه من المعتدين، وتوفر له كل مواد الخلود من ذهب، ومعادن وأحجار، رسم الفراعنة عالمهم الآخر مشابهاً تماماً لحياته الأرضية فتمنى المصري القديم وجود نهر مثل نهر النيل وشمس مثل التي تشرق عليه كل صباح، وأشجار وزرع وفاكهة مثل التي تجود بها أرض مصر.
كان الفراعنة أهل فن وذوق رفيع، أحبوا الموسيقى والغناء بمختلف ألوانه سواء الديني أو العاطفي أو الحماسي مثل أناشيد الجنود، وتعددت آلاتهم الموسيقية من آلات وترية كآلة الهارب، وأخرى إيقاعية مثل الطبول والصلاصل، وآلات نفخ مثل الناي والبوق. وكان المغنون من الرجال والنساء هم العامل المشترك في كل احتفالاتهم وولائمهم التي يقيمونها سواء في الأعياد وكانت كثيرة، أو لمجرد دعوة الجيران والأصدقاء والتمتع بصحبتهم في وجود أشهى ألوان الطعام والشراب.
إن الصور المرسومة على جدران المقابر الفرعونية تشع حياة، ولا علاقة لها بالموت، ولكن هي صور من الحياة التي تمنى الفراعنة أن يعيشوها مرة أخرى وللأبد. مشاهد من الزراعة والحصاد، ورعي الماشية والأغنام، وصناعة الحلي والأثاث والمراكب، ومشاهد من الولائم والأعياد. وتتخلل تلك المشاهد المصورة على جدران المقابر نصوص تحمل ألواناً أخرى من المتعة وكأنها الترجمة المكتوبة على فيلم ناطق بلغة أجنبية، نسمع فيها النداءات والجمل المتبادلة بين الأشخاص، وكذلك النكات المتبادلة، بل نسمع أحياناً السباب واللعنات بين رئيس العمال وصبيانه الكسالى الذين لا ينفذون أوامره. نعم كان المصري القديم يعشق الحياة ويُجِلُّها ويعلم أنها هبة الإله الخالق له، ولذلك تمنى الخلود بعد الموت، ومن ثم تكبَّد الصعاب من أجل أن يبني لهذا الخلود الأهرامات والمقابر والمعابد.

