: آخر تحديث

لماذا الفن؟

3
2
3

ما الذي يخلق الحب؟ وما الذي يخلق العداوات؟ ما الذي يخلق الفرح؟ ما الذي يخلق الوجع؟ ما الذي يخلق الحسد، الغرور، الصداقة، الوله، الرغبة. الحنين؟ ما الذي يخلق الفن؟

في اعتقادي إن ما يخلق الفن هو محاولة الإجابة عن كل الأسئلة السابقة، أو محاولة تفاديها، فهمها، التعامل معها، محاورتها، التغلغل فيها. الفن، يحاول أن يجعل من هذه الموضوعات التي ظلت تحير الإنسان منذ البدء والتي ستظل تحيره حتى النهاية مادة تثير في النفس الدهشة، تحمله على التأمل بينما هو منبهر، تحول أمراً كريهاً كالحرب إلى لوحة باهرة، ورواية جميلة، وفيلم مذهل، ومنحوتة قوية، تبعث داخله الألم لكن بشكل راق، بشكل يجعله يدرك قسوة الحرب، يكرهها حتى لو لم يخضها، أو حتى لو خاضها، التعرض للتجربة المباشرة يختلف، ربما تخطفك الأحداث ولا تستطيع أن تجلس لتفكر وتتأمل، يأتي الفن، ليعرض عليك ما جرّبته، تنظر إليه بهدوء، باستمتاع، وتعرف، يوصلك الفن إلى المعرفة، ربما ليس معرفة لماذا يحدث ذلك، لكن معرفة أنني كإنسان، أحب الخير، وأنتصر له، عميقاً في قرارة نفسي أنا أنحاز للجمال، أنحاز للحق والعدل. هذا ما يصنعه الفن، وهذه هي أهميته ولهذا وجد، حتى قبل أن تقرر البشرية أنه علم يجب أن يدرس وتقام له الجامعات.

كلما عودت نفسك على التعرض للفن، كلما زادت حساسيتك تجاه الآخر، كلما جلوت عن نفسك الصدأ الذي يتراكم بحكم الحياة اليومية المليئة بالمرارات الصغيرة، تسير في دروبها وتستمر في خدشك، مرة بعد مرة حتى تتكون طبقة من قشور الجروح الكثيرة على قلبك، وهنا يأتي دور الفن، تذهب إلى معرض فني، أو تستمع إلى أغنية، وتبدأ تمسح على وجعك، تزيل بصبر وبرحمة تلك القشور، قشرة وراء قشرة، حتى تتمكن من التنفس من جديد.

لا يفعل الفن ما يفعل بشكل مباشر، لا تتعامل معه كأنه دواء، تفتح الصيدلية وتشاهد فيلم نوتبوك ويعود لك الإيمان بالحب الخالد، أو تقرأ رواية آنا كارنينا فتفهم النساء وتتجاوز الحب المستحيل، لن تتخلى تماما عن فكرة أن الحرب شر لا بد منه بمجرد تأملك للوحة الجرنيكا، أو تتآلف مع فكرة فتيات الهوى بزيارتك لمتحف لوتريك.

الفن يفعل ذلك، بهدوء، بصبر، بروية، إذا آمنت به، إذا فتحت له قلبك، حواسك كلها، سيكافئك.

اعتدت أن أحاكم الفنان قبل أن أعجب بفنه، مع مرور الزمن عرفت أن الفن ينتصر على الفنان، مهما كانت عيوب الفنان الأخلاقية، لو كان فنه حقيقياً، لن يكون تعبيراً عن أخطائه، سيكون تعبيراً عن أحلامه، الفن هو في حقيقته يأخذنا إلى القيم المثلى التي نتمنى.

اغسلوا أرواحكم بالفنون، هذا إيماني الأكيد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد