قبيل موسم الحج الحالي، أعلنت هيئة الآثار في السعودية عن كشف أثري رائع، في موقع «ضرية» بمنطقة القصيم وسط السعودية، تمثل في العثور على مشغولات ذهبية وفضية وزينة من الأحجار الكريمة وعملات وفخاريات ولقى أخرى، تعود إلى العصر العباسي الأول، العهد الذهبي، عهد الخلفاء العظماء المنصور والرشيد والمهدي والمأمون.
ما هي علاقة هذا الكشف بموضوع الحج؟
العلاقة مباشرة؛ ذلك أن بلدة أو قل محطة «ضرية» هي موقع تاريخي أثري قديم من قبل الإسلام، ومع الإسلام صارت حمى مخصوصاً لرعي إبل وخيل جيش دولة الخلافة في عهد عمر بن الخطاب، لكن قيمتها الدائمة أنها كانت محطة رئيسة لطريق الحج البصري.
حين نقول محطة لطريق الحج البصري فإن المعنى يتجاوز هذه الكلمات، فليس المقصود فقط حجاج البصرة أو قراها، بل كل الحجاج الذين يأتون من جهة البصرة شاملاً ذلك شعوباً كثيرة خارج العراق.
وحين نقول طريق حج فإن ذلك لا يعني انحصار وظيفته في الجانب الديني الموسمي هذا، بل هو طريق تجاري وغير تجاري، يعني بلغتنا اليوم هو «طريق دولي». بكل ما يعنيه ذلك من توافد الناس عليه واستقرارهم في محطاته الكبرى وما يلحق بذلك من نشاط تجاري ثقافي إنساني عبر العصور.
طريق الحج البصري له محطتان أساسيتان هما: النباج، نباج ابن عامر، وهي المسماة اليوم «الأسياح»، في منطقة القصيم، ثم محطة «ضرية»، التي بدأنا بها حديثنا.
ليس هذا فقط، فحسب الموسوعة السعودية هناك على طريق الحج البصري الذي يمر بمنطقة القصيم أكثر من 16 محطة رئيسة وثانوية.
كان الحجاج عند وصولهم إلى محطة النباج (الأسياح) يتفرقون - كما جاء في الموسوعة - بين طريقين، الأول رئيس، ينطلق من النباج، ويتجه إلى مكة المكرمة، يمر بمحطات، منها: العوسجة، ورامة، ثم يصل إلى ضرية.
والآخر فرعي، ينطلق من النباج، ويتجه إلى المدينة المنورة، ويمر بمحطات عدة، منها: الحاج، والحميمة، والجفنية، ثم يصل إلى محطة النقرة، ويلتحق بطريق الحج الكوفي «درب زبيدة».
بقي أمر واحد في الخاطر، أتمنى تكثيف واستدامة العمل الآثاري المحترف و«الدائم» في هذه المواقع وأشباهها في كل الجغرافيا السعودية، محطات الحج والتجارة؛ فهي مظنة كشوف كبيرة ربما تغير بعض المستقرات التاريخية في روايتنا عن تلك العهود، فما هو مكتشف أو سيكتشف ليس مجرد حلي ذهبية وفضية تسيل لعاب الجهلة من نباشي الكنوز، بل هي «كنوز معرفية» وثروة حضارية لا تقدر بثمن، هذا فقط بعض ما قالته مدفونات «ضرية»...

