: آخر تحديث

"المير" طارق آل ناصر الدين شاعر الفصحى والعامية

3
3
3

بعض الناس يرحلون ولا يتركون أثراً، وبعضهم الآخر يرحل كأنه لم يرحل. تبقى ذكراه في قلوب محبيه وعشرائه حكاية بهية حلوة من زمن جميل. من طينة هؤلاء كان طارق آل ناصر الدين، الشاعر "المير" كما هو معروف بين الناس، كل الناس. عرفته للمرة الأولى في مقاهي "راس بيروت" في مجلس الشاعر الآخر، صديقنا الراحل عصام العبد الله، الذي لم يتوقف حديث المقاهي عنه إلى اليوم. لم أعرف جلساء في بيروت ظفروا بأخوة الناس ومحبتهم مثل الراحل عصام والمير طارق. شاعران فطرا على الحب والصداقة، فإذا قلت "الأفندي"، عرف الناس أن الحديث هو عن عصام العبد الله، وإذا قلت "المير" فهم الناس أنك تقصد الشاعر طارق آل ناصر الدين، حتى صار لقب هذا الأخير لصيقاً به، يعرفه القاصي والداني، ليس بين أهل الثقافة فحسب، بل بين الناس جميعهم، في العاصمة وفي كل ناحية من نواحي لبنان، وخصوصاً في "كفرمتى"، قرية الشاعر الجبلية التي ولد فيها المير طارق، ونشأ وترعرع.

ماذا يمكن للمرء أن يقول عن شاعر كان مالئ الجلسات وشاغلها؟ الشاعر الظريف، الذي ما دخل مجلساُ إلا وأضاء فيه مصباحاً، وما نظم شعراً عاميا إلا وأضحك القلوب قبل الشفاه، وأيقظ في النفوس حنيناً إلى سهام شعره العامي الذي كان يصوبه صوب الكثيرين من جلسائه، ومنها الذي نالي شخصيا. أحببت شعر المير طارق بقدر ما أحببته كإنسان محب ودود، إذ كان الشعر عنده طبعاُ لا تكلفاً، سجيّة لا صنعة، ينساب من روحه كما ينساب الماء من نبع صافٍ في خاصرة جبل، وكما تنساب قطرات الطل على وريقات شجر الورد.

لم يكن المير طارق شاعراً فحسب، بل حالة إنسانية كاملة. كان يجمع بين فصاحة البيان في القصيدة العمودية، حيث الوزن رصين والقافية مطواعة، وبين عذوبة العامية التي تلامس القلب بلا استئذان. إذا أنشد بالفصحى شعرتَ أنك أمام شاعر أصيل من زمنٍ أصيل، يحفظ أسرار اللغة ويصوغها في حلل من الوقار والجزالة. وإذا مال إلى العامية، رأيته ابن الحارة والضيعة والمقهى الشعبي، يلتقط من تفاصيل الحياة وأنفاسها ما يحوله إلى نكتة ذكية، أو بيت لا تخونه الذاكرة.

كان حضوره في الجلسات مثل عيد صغير. ما إن يجلس حتى تتبدل ملامح المكان. يتخفف الوقار الزائد، وتبتسم الوجوه المتجهمة، وتستعد الأرواح لجرعة من الفرح. كان في سحنته وهدوئه شيء من النُّبل، يشبه صورة تقليدية عن محافظين قدامى من شاربي الشاي، ما زالت تعج بهم بعض الحانات الفريدة في مدينة لندن. لم تكن نكاته عابرة أو جارحة، بل حلوة، تحمل حكمةً مستترة، أو نقداً لطيفاً، أو تعزيةً مغلّفة بابتسامة. كان يعرف كيف يضحِك الناس من غير أن يُسقِط هيبة أحد، ويمازح من غير أن يجرح، ويروي الطرفة فتبدو كأنها حدثت لتوّها أمامنا.

رواياته في المجالس كانت عالماً قائماً بذاته. يبدأ الحكاية بتمهيدٍ هادئ، ثم يمضي في نسج التفاصيل، يلوّن الشخصيات بصوته، ويُبطئ حيث ينبغي الإبطاء، ويُسرع حين يقتضي المقام. كنا ننسى الوقت ونحن نصغي، وننسى معه أنفسنا. في شعره الفصيح، كان يميل إلى الموضوعات الإنسانية، وهو العروبي الأصيل الذي لم تفتنه المظاهر، ولا إغراءات المال، وبقي متصالحاً مع نفسه، وبما أمن به طوال عمره، وفي مراحل متقلبة من عمر الوطن، ما أكثر ما تغيرت فيها الطباع، واهتزت القواعد، وتلون من تلون، فيما بقي "المير" أميناً على الصداقة والوفاء ومهابة الزمن. لم يكن متكلفاً في صوره، بل صادقاً. وكان إذا رثى أبكى، وإذا تغزّل رقّ، وإذا مدح أنصف. كان يؤمن أن الشعر أخلاق قبل أن يكون ألفاظًا، وأن البيت الجميل هو الذي يُشبه قائله، لذلك جاءت قصائده شبيهةً به: واضحة، صافية، لا التواء فيها ولا ادّعاء.

وفي شعره العامي، كان أقرب إلى الناس. يلتقط من أحاديثهم اليومية مفرداتٍ بسيطة، ثم يعيد ترتيبها فتغدو لآلئ صغيرة. كان يُدخل البهجة إلى قلوبهم بكلماتٍ تشبههم، وتعبّر عنهم، وتواسيهم. وربما كان سرّ محبته في هذه الخلطة العجيبة بين الفصيح والعامي؛ بين الرسمي والعفوي؛ بين المنبر والمجلس.

لم يكن المير من طلاب الشهرة، ولا من الساعين إلى أضواءٍ صاخبة، وأشهد أن الشعر الذي قاله بعفوية ولم يُسجل، يفوق أضعاف ما طبع منه في الكتب. كان يكفيه أن يرى أثر كلمته في عيون من هم أمامه، وأن يسمع ضحكةً صافية تنطلق من صدر مهموم، أو تنهيدة ارتياح من قلبٍ مثقل، وكان يعرف أن الشعر رسالة فرح ومواساة، وأن أجمل القصائد تلك التي تُقال في وقتها المناسب.

اليوم، نفتقد المير طارق وسوف نبقى نفتقده في كل مناسبة. لا نفتقده شاعراً فحسب، بل نفتقد مجلساً كاملًا كان يقوم به وحده. نفتقد تلك اللحظة التي كان يعتدل فيها في جلسته، ومع سيجارته التي لم تنطفئ يوما، ويقول: “اسمعوا هذه…” فتسكن الأصوات، وتتهيأ الأرواح. نفتقد تعليقَه السريع الذي كان يخفف حدة النقاش، وأبياته المرتجلة التي لا تملك وأنت تسمعها إلا أن تضحك من شغاف قلبك.

غاب المير، لكن العزاء أن أثره باقٍ في القلوب. فالشاعر الحق لا يموت حين يُوارى جسده، بل يعيش ما دامت كلماته تُتلى، وحكاياته تُروى، ونكاته تُستعاد بابتسامة مشوبة بالدمع. سيظل اسم "المير" مرتبطًا بتلك المجالس البيروتية التي عرفته وأحبته، خصوصا منتدى صديقتنا الكريمة المحبوبة، الفنانة خيرات الزين، الذي كان المير فاكهة جلساته في "قريطم"، يتردد إليه، ويجد فيه ضالته المنشودة من الأنس والود والحب، وسيبقى في ذاكرة أصدقائه صورة شاعر جمع الوقار والظرف، والهيبة والبساطة، والفصحى والعامية في قلب واحد.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد