عبدالرحمن الحبيب
عندما فشلت عصبة الأمم في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتوقفت عن العمل فعلياً تم استبدالها بهيئة الأمم المتحدة عام 1945 التي وضع لها أهداف نبيلة، لكنها حالياً تعاني من أزمة حادة في أداء مجلس الأمن الذي يبدو غائباً عن أهم الأحداث الأمنية الكبرى في العالم؛ إضافة لأزمات تنفيذية ومالية في الفروع الأخرى؛ فهل حققت الأمم المتحدة أهدافها، أو بعضها، أو لم تحقق أيًا منها؟ هل يمكن إصلاحها أم ينبغي استبدالها مثلما حصل مع عصبة الأمم؟
خلال احتفالها بعامها الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، كانت كلمة «إصلاح» الأمم المتحدة، هي الكلمة الأكثر تكراراً في خطابات معظم قادة العالم، مع الشكوى من تجاوزات بعض الدول دون الاكتراث لقرارات المجلس. على سبيل المثال، قبل أسبوعين شهد مجلس الأمن إخفاقاً عندما فشل في اعتماد مشروع قرار «ملطّف الصياغة» للقيام بشيء ما لإنهاء الإغلاق غير القانوني لمضيق هرمز، بسبب استخدام روسيا والصين حق النقض نكاية بأمريكا.
إلا أن الأزمة لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تشمل العديد من فروع الأمم المتحدة، التي تغطي المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياحية والثقافية، مثل: منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واليونيسف، واليونسكو.
الدعوة لإصلاح الأمم المتحدة ليست جديدة، فمنذ أوائل التسعينيات دار الحديث عن إصلاح مجلس الأمن لجعله أكثر تمثيلا وواقعية مع الدول التي صعدت إلى مصاف القوى العظمى، وشهدت تلك الفترة مبادرات عديدة تناولت الوظائف الأساسية للأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية، من أجل: حفظ السلام، حل النزاعات ووقف الحروب، حقوق الإنسان، المساعدات التنموية والإغاثة ومكافحة الفقر والجوع، إلى جانب القضايا الاقتصادية والصحية والغذائية والاجتماعية.
ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين تفاقمت الأزمات، وأضيفت مبادرات أخرى مثل تغير المناخ وسلامة البيئة والاستدامة. أما في منتصف العقد الثالث فقد ازداد الوضع سوءاَ نتيجة قيام الولايات المتحدة، وهي أكبر مانح للأمم المتحدة وفروعها، بتقليص أو تجميد أجزاء كبيرة من التمويل المخصص للأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدى إلى تقليص عمليات المساعدات الإنسانية بشكلٍ خاص؛ كما انسحبت من عددٍ كبيرٍ من الاتفاقيات متعددة الأطراف.
بالعودة إلى أسئلة المقدمة، من الواضح أن لا أحد يدعو بجدية استبدال منظمة الأمم المتحدة، فضلا عن إلغائها، فعلى الرغم من الانتقادات العديدة الموجهة إليها، فقد اضطلعت الأمم المتحدة بدور محوري على مدى العقود الماضية في منع تصعيد العديد من النزاعات من خلال نشر بعثات حفظ السلام والوساطة بين الأطراف المتحاربة، إضافة لأدوارها الأخرى في إغاثة اللاجئين والنازحين، ومكافحة الفقر والأمراض والتمييز..الخ.
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وصف مجلس الأمن بأنه «ضرورة حيوية وقوة دافعة للخير. ولكن في الوقت نفسه، فإن شرعيته هشة. فقد شهدنا مراراً أعضاء هذا المجلس يتصرفون خارج نطاق مبادئ الميثاق»، وشدد غوتيريش على أن «إصلاح مجلس الأمن ضروري ومتأخر جداً للحفاظ على النظام والأمن العالميين. ويشمل ذلك توسيع عضويته».
بحسب تقرير «مجموعة الأزمات الدولية»، تواجه الأمم المتحدة «أزمة» في الفترة 2025-2026، نتيجةً لعدة تحديات، أهمها:
1- انخفاض حاد في التمويل الأمريكي، مما أجبرها على تقليص عدد موظفيها وألحق ضرراً بالغاً ببرنامج الأغذية العالمي وعمليات الإغاثة الإنسانية.
2- تراجع النفوذ السياسي في حل النزاعات.
3- شلل مجلس الأمن نتيجة التنافس الشديد بين القوى الكبرى، الذي غالبًا ما يعجز عن الاتفاق على استجابات فعّالة للأزمات العالمية.
وخلصت المجموعة إلى أن الأمين العام غوتيريش سينتقل من وضع الخطوط العريضة لعملية إصلاح الأمم المتحدة إلى إجراء التخفيضات والتغييرات المحددة التي يستطيع إدارتها خلال ولايته الأخيرة؛ إلا أن ثمة مشاكل لا تحتمل التأجيل، حسب التقرير، فقد حان الوقت لمجلس الأمن لإعادة النظر في موقفه تجاه أفغانستان، ومزيد من الاهتمام في الأزمات الإنسانية في غزة والسودان اهتماماً فورياً، وكذلك الأزمة الأمنية في هايتي.
وترى المجموعة أن النزاعات ستتطور بسرعة بنتائج غير مؤكدة، بما فيها النزاع بين روسيا وأوكرانيا.
علاوة على ذلك، فإن السماح بمزيد من التراجع عن معايير المساواة بين الجنسين، التي استغرق تحقيقها عقوداً، سيزيد من معاناة النساء في مناطق النزاع حول العالم، ويعرض مستقبلهن للخطر.
أشار التقرير في ختامه إلى أن مسؤولي الأمم المتحدة كثيراً ما يتحدثون عن ضرورة استباق التحديات الناشئة بدلاً من مجرد التفاعل معها، لكنهم نادراً ما يفعلون ذلك. وأوضح التقرير أن سلسلة الأزمات التي تواجه الأمم المتحدة، تتطلب تحركاً سريعاً رغم المؤشرات الجيوسياسية والمالية السلبية، حتى وإن كانت الموارد المالية اللازمة والحلول السهلة شحيحة.
في الوقت الذي كانت فيه الأمم المتحدة تحتفل بالذكرى الثمانين لتأسيسها العام الماضي، ساد شعور بالشفقة على الذات، إلا أنه لا ينبغي للمنظمة أن تنسى أنه ما يزال بإمكانها تحقيق نتائج مقبولة؛ إذ تُؤكد مجموعة الأزمات الدولية أن الأمم المتحدة تظل الجهة الفاعلة الوحيدة التي تمتلك التفويض والقدرة على أداء مهام دولية مُحددة، وتنصح الدول الأعضاء بدعم المنظمة خلال هذه الفترة من «تقليص النفقات».

