: آخر تحديث

الهبانق

2
1
0

إبراهيم بن سعد الحقيل

كان هَبْنَّقَةُ رجلاً شاع ذكرُهُ وشرَّق وغرَّب في عصور العرب الغابرة، حتى سُطِّرت أخباره في الكتب، وتندَّر باسمه وأخباره المصنِّفُون. لم يكن هذا الذِّكر الذي حظي به هبنقة بين مَن مضى من أسلافنا مما يُؤْبه به أو يُقتدى به، وإنما ذُكِرَ للطُّرفة حيناً، وحيناً مضرب المثل في الحماقة والسذاجة وضعف العقل، حتى أن بشار بن برد ضربَهُ مثلاً حين أفقدَهُ الحبُّ صوابه، فقال:

لقَدْ تَركَتْنِي مِن هَوَاها كأنَّنِي

هَبَنَّقَةُ القَيْسِيُّ ذُو الوَدَعَاتِ

إن الحماقة والسذاجة التي طُبِعَ بها هبنقة لم تصدر منه ليضُرَّ غيره، ويَعرَّ مجتمعَهُ، بل هي عَرَضٌ ملازم لأفعاله وتصرفاته، وجُلّ المصائب منهما تقع على رأسه، حتى فقَدَ البقيةَ الباقية من عِقْله عندما أزف رحيلُهُ من ظهر البسيطة. أصبح هبنقة مصطلحًا مرادفاً للغفلة والغباء، فهذا ابن شُهَيْد الأندلسي يهجو كاتباً:

وَيْحَ الكِتَابَةِ مِنْ شَيْخٍ هَبنَّقَةٍ

يَلْقَى العُيُوْنَ بَرأْسٍ مُخُّهُ رَارُ

ومُنْتِنُ الرِّيْحِ إنْ نَاجَيْتَهُ أبداً

كأنَّما ماتَ في خَيْشُوْمِهِ فَارُ

إن هبنقة القديم الراسخة قَدَمُه في تراثنا العربي ليس بدعاً فهو وإن كان فرداً في ذلك الزمان فإن زماننا العجيب أصبح زمان الهبانقِ. واسمحوا لي أن أجمعه جمع تكسير، لأن هبانق هذا الزمان كَسَرُوا قواعد العقل والفهم والإدراك، وإن كانت أقدامهم وسيقانهم تُسابق الريح في عالم الحماقة والسذاجة الذي أصبح سائداً.

كان هبنقة القديم عُرضةً للتندر، وحكاياته مجالاً واسعاً للتَّفكُّه والتعجب، أما هبانق اليوم فأصبح أثرهم عظيماً، وتأثيرهم أعظم، ليس هذا من براعة في أنفسهم، وعَرَض حماقاتهم وسَخَفِهم؛ إنما في ظهور وسائل مكَّنتهم من الوصول لمن توقَّفَت عقولُهُم عن التَّمْييزِ بين الحق والباطل، والحسن والقبيح، فأصبحت رِقَّةُ العقل وضُمُورِ القُدراتِ صفة ملازمة لهم، حتى صارت هي القاعدة وما سواها الاستثناء. ممَّا ملأ الفضاء بأشكال وألوان منهم؛ رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، فأصبحنا نعرف هؤلاء الحمقى وحمقهم قبل أن يكشفهم جيرانهم وأقربائهم.

هذا الفضاء الواسع تجد فيه سُخْفاً يندى له الجبين، ولما كان الهبانق أجهلَ الناس في كلِّ شيء فُهْم أجرأُ الناس على كلِّ شيء، يتحدَّثُون في العُلُوم كلِّها بلُغَةِ الواثق، وجَزْمِ المُدقِّق، وعَزْمِ المُحقِّق. يتَحدَّثُون للناس بنصائح وتوجيهات في الحياة ومشكلاتها، وأسرار النفس البشرية ودهاليزها، وعلاج الأبدان وعِلَلِها، والتاريخ وأسراره، وكشف ما خفي منه عن المؤرخين وعَلِمُوه هُمْ دُونَ سواهم، بل تجاوز الأمر أن اقتَحمُوا عَرَصات الشريعة الغراء، فأصبحوا يُفسِّرُون القرآن الكريم، ويصححون الأحاديث ويضعفونها، ويُحلِّوُن ويحرِّمُون للناس، ويرسمون لهم مسالك أقدامهم في هذه الحياة، وكأنهم عَلِموا كل شيء، وهم حقيقة لا يعلمون شيئاً، ولا يرون أبعد من أرنبة أنوفهم.

هؤلاء الهبانق في كل زمان ومكان لكنهم الآن بما أنتجت الحضارة أشدُّ فتكاً وأمضى سطوة، حتى أصبحنا نرى الدَّجَّال كلَّ يوم على شاشات هواتفنا وأجهزتنا اللوحية، ننتظر أن يخرج دجَّال الدَّجَاجِلة من مكمنه فلا نعرفه لكثرتهم، حتى بات العاقل يقول:

تَكَاثَرَتِ الدَّجَاجِلُ كلَّ يومٍ

فلا يَدْري خِرَاشٌ ما يَصِيْد

ذكَّرَني هؤلاء الهبانق ومُتابِعُوهم بسَلَفٍ لهم قديم، ساقَ خبرَهُم الشيخ المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي (ت 1241هـ) يقول في تاريخه(1: 252): «وفي يوم الأربعاء رابع عشر ذي الحجة آخر سنة (1147هـ/1735م) أُشيع في الناس بمصر بأن القيامة قائمة يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة، وفشا هذا الكلام في الناس قاطبة حتى في القرى والأرياف وودَّع الناس بعضهم بعضاً، ويقول الإنسان لرفيقه: بقي من عمرنا يومان. وخرج الكثير من الناس والمَخَالِيع الغِيْطانَ والمنتزهاتِ، ويقول بعضهم لبعض: دعونا نعمل حظًّا ونودع الدنيا قبل أن تقوم القيامة. وطلع أهل الجيزة نساء ورجالاً وصاروا يغتسلون في البحر. ومن الناس من علاه الحزن وداخله الوهم، ومنهم مَن صار يتوب من ذنوبه، ويدعو ويبتهل ويصلي. واعتقدوا ذلك، ووقع صِدْقُه في نفوسهم. ومَن قال لهم خلافَ ذلك أو قال هذا كَذِبٌ لا يلتفتون لقوله، ويقولون: هذا صحيح، وقاله فلان اليهودي وفلان القبطي، وهما يعرفان في الجُفُور والزايرجات ولا يكذبان في شيء يقولانه.

بل بلغ حماس واندفاع بعض هؤلاء الحمقى أنْ وضعوا رؤوسهم على كفوفهم، قال الجبرتي عنهم: «وفلان ذهب إلى الأمير الفلاني وأخبره بذلك، وقال له: احبسني إلى يوم الجمعة وإن لم تقم القيامة فاقتلني. ونحو ذلك من وساوسهم. وكثر فيهم الهرج والمرج إلى يوم الجمعة المعين المذكور. فلم يقع شيء. ومضى يوم الجمعة وأصبح يوم السبت، فانتقلوا يقولون فلان العالم قال: إن سيدي أحمد البدوي والدسوقي والشافعي تشفعوا في ذلك، وقَبِلَ اللهُ شفاعتهم. فيقول الآخر اللهم انفعنا بهم فإننا يا أخي لم نشبع من الدنيا، وشارعون نعمل حظًّا ونحو ذلك من الهذيانات».

من أوحى لهؤلاء السذج الذين يصدقون بالمحالات وينشرونها إلّا هبنقة من هبانق ذلك الوقت، فصدَّقه مريدوه وهم على شاكلة كثير من المتابعين الآن في وسائل التواصل، وبلغ الحماس والتصديق أن جعلوا أرواحهم فداء لهذه الكذبة.

هذه الترهات التي أعيدت صياغتها لتتفق مع العصر هي هي؛ لكنها بشكل جديد وصورة مختلفة، إنما المنهج واحد يكمن في الكذب والطيش والاستخفاف بالعقول. وللأسف فالعقول الفارغة إذا لم يملأها العِلْمُ ملأها الجهلُ، وفي زمننا هذا أصبحت وسائل التواصل تحتلُّ العقول الفارغة وتوجهها، فلا يُستغرب أن ترتفع الهبانق وتَتسيَّد؛ لأن المجتمع لا يرغب في العِلْم والتَّعلُّم، وإنما يهفو إلى الغرائب والسخافات وتصديق المُحَالات، لأن العِلْم مُنْضبِط بمنهج صارم لا تتحملَّهُ تلك العقول الفارغة، بل أصبح الجهل عندهم يطرد العِلْم، فلا يؤخذ من أهله بل يؤخذ من هبنقةٍ من الهنابق، فصَدَقَ قولُ ابن الرومي:

دَهرٌ عَلا قَدْرُ الوَضِيعِ بهِ

وهَوَى الشَّريْفُ يَحُطُّهُ شرفُهْ

كالبَحْرِ يَرْسُبُ فيْهِ لُؤْلُؤهُ

سِفْلاً وتَطْفُو فَوقَهُ جِيَفُهْ


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد