محمد ناصر العطوان
يا سادة يا كرام... في الآونة الأخيرة، تكاثرت عليّ الرسائل كما تتكاثر الفطريات بعد المطر، وكأن هناك «مؤامرة كونية» اتفق فيها الأصدقاء والقراء الأعزاء على حصاري في زاوية واحدة.
فحوى الرسائل كلها تدور حول سؤال واحد بصيغ مختلفة: «يا بوعلي، قلمك سيال، وخيالك خصب... متى نرى روايتك الأولى؟».
والبعض يذهب أبعد من ذلك في «التوريط» العاطفي، ويقول: «حرام عليك... لازم تكتب رواية تخلد اسمك في تاريخ الأدب!».
أشكركم... أشكركم من كل قلبي على حسن الظن الذي لا أستحقه، ولكن دعونا نضع النقاط على الحروف، ونشرب كوب الشاي بالنعناع لنهدئ الأعصاب، وأصارحكم بالحقيقة العارية التي قد تخذل «الروائي» الذي تتخيلونه في رؤوسكم.
أنا يا سادة... لا أكتب الروايات.
ليس تواضعاً –معاذ الله– ولا تكبراً، ولكن لأنني ببساطة لا أملك الـ«نَفَس» الطويل كالذي يملكه الـ (...) المحترفون (بالمعنى الفني للكلمة). الروائي يحتاج أن يخلق عوالم من العدم، ويحرك شخوصاً وهمية، ويحبك دراما متخيلة... أما أنا، فكاتب «مشاغب» يقتات على الواقع، يرى المفارقة في «دشة» الموظف، والحكمة في عين «كلب ضال»، والفلسفة في «وجبة طائرة».
ولستُ أيضاً شاعراً... فليس لي شيطان في «وادي عبقر»، ولا أملك تلك القدرة على ليّ عنق اللغة لتناسب الوزن والقافية... أنا أحب الكلام «المراح» الذي يمشي على الأرض، لا الذي يطير بأجنحة المجازات الغامضة.
وقد يقول قائل: «طيب... اكتب سيرتك الذاتية أو يومياتك أو اجمع مقالاتك !».
فأرد عليه ضاحكاً...«ومن أنا حتى أكتب سيرة؟». لست تشرشل ولا غاندي... ولا حتى «مؤثر» مشهور لن يهتم أحد بمعرفة ماذا أكلت في الفطور أو كيف تهاوشت مع الجيران. أدب الاعترافات يحتاج فضائح أو بطولات، وأنا رجل بسيط يحب الستر.
ولا تنتظروا مني قصصاً قصيرة، فتلك صنعة لها «صنايعية» يجيدون نحت اللحظة، وأنا رجل ثرثار يحب الاستطراد والهذرة وتجمع الأصدقاء حول كوب من «الكرك» وسرد حكاياتنا مثل الحرافيش والصعاليك.
وبالتأكيد... وبالتأكيد... لستُ من كتاب «أدب المعجبين» الذين يعيشون على فتات عوالم الآخرين، ولست كاتباً للسيناريو أفصّل المشاهد على مقاس المخرجين والمنتجين وشباك التذاكر.
أما الطامة الكبرى، فهي حين يظن البعض أنني «صانع محتوى» أو كاتب دعاية للسوشيال ميديا!
أعوذ بالله... أنا لا أكتب لأبيع لكم «شامبو» ولا لأقنعكم بكود خصم... أنا لا أكتب لأجمع «اللايكات» ولا لأركب «الترند».
إذاً،... من أنا؟ وماذا أفعل؟
أنا يا عزيزي القارئ... أكتب فقط.
هكذا... فعل مجرد من التصنيف.
أنا أكتب لأن الكتابة هي طريقتي الوحيدة في التنفس وسط هذا «الخنق» اليومي.
أكتب لأشتبك مع اللحظة، لأشاكس الفكرة، لأوثق الدهشة، لأصرخ بصمت، لأضحك بمرارة، ولأقول: «أنا كنت هنا».
كتابتي هي فضفضة منظمة، هي محاولة لفهم العالم أو السخرية منه قبل أن يبتلعنا.. هي مقال، خاطرة، تعليق، شذرة... سمها ما شئت، لكن لا تحبسني في قفص «الروائي» أو «الشاعر».
أنا كاتب حر... قلمي لا يعترف بالجنس الأدبي، بل يعترف بصدق اللحظة.
أنا لستُ صانع حكايات... أنا صائد ملاحظات.
فأرجوكم، لا تنتظروا مني «الرواية العظيمة»... بل انتظروا مني «الحقيقة الصغيرة» التي قد تجدونها في سطر عابر، أو في مقال ساخر، أو في دمعة مخفية بين الحروف... والنتيجة مادة أدبية لا تُعرف هويتها... وهذا أفضل.
أنا أكتب فقط... وهذا يكفيني، وأتمنى أن يكفيكم.
وكل حرف لا يُكتب بصدق... أبتر... وكل قلم لا يُراد به وجه الله والحقيقة... يضمحل.

