: آخر تحديث

العودة بالشيء إلى أصله في يوم التأسيس

4
4
4

عندما تحتفل المملكة العربية السعودية بذكرى يوم التأسيس في الثاني والعشرين من هذا الشهر، سيكون هذا الاحتفال هو الخامس من نوعه على مدى خمس سنوات. ففي السابع والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2022 أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمراً ملكياً بأن يكون الثاني والعشرون من فبراير (شباط) في كل سنة احتفالاً بما جرى فيه من قبل، وأن يكون إجازة رسمية ينعم فيها المواطنون بالذكرى وبما تحمله.

ولا بد من أن الأمر الملكي كان يعني شيئاً محدداً، وهو يستدعي أجواء يوم التأسيس إلى ذاكرة المواطنين الحية، ثم وهو يجعله يوماً للاحتفال، والتأمل، والنظر فيما كان فيه قبل ما يقرب من ثلاثة قرون من الزمان.

في هذا اليوم من عام 1727م كان الإمام محمد بن سعود قد أطلق الدولة السعودية الأولى، وكان قد اتخذ من حي الدرعية عاصمة لها، وكانت الدرعية -ولا تزال- مزاراً في الرياض لمن شاء أن يرى بداية البدايات للسعودية المعاصرة.

كان من حظي أنني زرتها ذات يوم، وكنت قد لاحظت مدى العناية التي تبذلها الحكومة السعودية فيها، وعندما زار المملكة مؤخراً الأمير ويليام، ولي عهد بريطانيا، فإن مرافقه في الزيارة أخذه إلى هناك، وتابعنا وقائع زيارة الأمير البريطاني لها، ورأيناه وهو يتنقل بين مبانيها مأخوذاً بما يشاهده في حي عاش شاهداً على ولادة الدولة الأولى.

كانت الفكرة في الأمر الملكي أن يكون الاحتفال يوماً لإنعاش الذاكرة لدى كل مواطن. فالنسيان من طبائع الإنسان، ولكنه إذا نسي فلا يجوز أن ينسى تاريخه، فضلاً عن أن ينسى الأيام الفارقة في هذا التاريخ.

كانت الفكرة أيضاً في الأمر الملكي أن الإمام محمد بن سعود أطلق الدولة الأولى لتبقى ثم تتطور وتكبر، وأنه لما فعل ذلك كان يعرف أن رجالاً سوف يأتون من بعده ليأخذوا الدولة إلى مراحل جديدة من مسيرتها، وهذا ما جرى بالفعل يوم جاء الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود في القرن التالي، ليطلق الدولة السعودية الثانية. كان ذلك في 1824م، وكان وهو يطلق الدولة الثانية، وكأنه يعلو بالطابق الثاني في بيت أقام الطابق الأول فيه الإمام محمد بن سعود في القرن السابق.

ومن المفهوم أنك لا يمكن أن تنشئ طابقاً ثانياً في بيت، إلا إذا كان الطابق الأول يحتمل بما يكفي ويزيد، وإلا إذا كانت الأساسات التي جرى تثبيتها في الأرض قادرة على حمل الطابقين، وإلا إذا كان الذي وضعها قد أخذ هذا الاعتبار في الحساب.

ولأن الدولة الثانية قامت فوق ما أقامته الأولى، ولأن الإمام محمد بن سعود كان يمهد الطريق ويفسحه، فالدولة الثانية جاءت ليس فقط في موعدها بعد ما يقرب من قرن كامل، ولكنها كذلك جاءت في مكانها، وبدا للذين تابعوا خطوات تأسيس الدولتين كل واحدة في زمانها، أن الخطوات المقطوعة فيهما لا تزال فيها بقية، وأن دولة ثالثة ربما تكون في الطريق، وأنها ستأتي في موعدها الذي ستضربه مع القدر.

وقد كان. فما كاد القرن العشرون يولد حتى كان الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود قد جاء معه، وما كادت سنتان تمضيان من القرن الجديد حتى كان الملك المؤسس قد خرج يعلن على الناس ولادة الدولة السعودية الثالثة. كانت تأتي لإكمال طريق الإمامين محمد وتركي واستكماله، وكان الملك المؤسس يعلن توحيد الجزيرة العربية تحت اسم «المملكة العربية السعودية»، وكان ذلك التأسيس وكأنه تدشين ثالث للدولة في أرجاء المكان، وكان إطلاق الدولة الثالثة وكأنه استيفاء لمقتضيات لا بد منها في ملامح الدولة التي أطلقها الرجل.

وليس سراً أن هناك مَنْ يرى وجوه شَبَه بين الملك المؤسس وبسمارك في ألمانيا، فكلاهما شيَّد ما صمد وبقي من بعده، وكلاهما علامة من العلامات المهمة في مسار التأسيس للدول، وكلاهما استطاع أن يأخذ الناس في بلاده إلى حيث نشأت الدولة الحديثة على أسس وقواعد. والذين طالعوا شيئاً عن جهد بسمارك في توحيد الولايات الألمانية، وتأسيس الإمبراطورية الألمانية، أو ما اشتهر بأنه «الرايخ الألماني الثاني» يذكرون أن الملك المؤسس كان في أيامه يؤسس -هنا في الجزيرة- لشيء يشبه ما أسس له بسمارك في الرايخ هناك.

كان الأمر الملكي في حينه وكأنه دعوة إلى كل مواطن، لعلَّه ينتبه إلى أن أعوام 1727م و1824م و1902م، لا يجوز أن تمر أمامه كما تمر غيرها من الأعوام، وأن التواريخ الثلاثة لا بد من أن تكون قرينة لمعناها ورمزيتها في وجدانه.

كان المعنى أن الثاني والعشرين من فبراير ليس كغيره من الأيام في تاريخ البلاد، وأنه لذلك لا بديل عن أن يكون محل وقفة سنوية تأخذ مما كان فيه قبل ثلاثة قرون، لتضيف إلى ما سوف يكون على المواطنين مجتمعين أن يذهبوا إليه في مستقبل البلاد.

وحين يدور هذا العام دورته، سيكون احتفال السنة المقبلة احتفالين، أولهما احتفال الثاني والعشرين من فبراير الذي أسس له الأمر الملكي عند صدوره، وثانيهما أن مجيء هذا اليوم في العام المقبل 2027م، سيعني أن 300 سنة قد مضت على إطلاق الدولة الأولى بالتمام والكمال.

يقول أهل مصر في المثل الشعبي: «ع الأصل دَوَّر» أي أننا مدعوون دائماً إلى العودة بالأشياء إلى أصولها. وليس احتفال الثاني والعشرين من فبراير في كل سنة إلا عودة متجددة إلى ما كان ذات يوم، والقصد أن ما كان إذا فارق العين بحكم انقضاء الأيام، فإنه لا يجوز أن يفارق الوجدان ولا أن يبتعد عنه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد