: آخر تحديث

بعد تعثر باريس.. هل تحل موسكو عقدة سلاح "حزب الله"؟

2
2
3

بعد أشهر طويلة من الاتصالات والمبادرات واللجان والآليات، ما زال الجنوب اللبناني مفتوحاً على النيران الإسرائيلية، وما زال ملف تسليم سلاح "حزب الله" للدولة عالقاً بين مطلب دولي ضاغط، وعجز داخلي عن إنتاج تسوية قابلة للحياة، وسط مشهد إقليمي يزداد تعقيداً وتفجيراً.

في مثل هذه اللحظة قد لا يكون مطلوباً من السلطات اللبنانية أن تغير تموضعها، أو أن تنقلب على أحد، بل أن تتصرف ببراغماتية باردة. أن تطرق باباً آخر، طالما أن الأبواب التي طرقت حتى الآن لم توصل إلى نتيجة. ومن هنا تبدو فكرة طرق الباب الروسي جديرة بالاختبار، لا بوصفها بديلاً عن الغرب، ولا تموضعاً في محور مقابل، بل باعتبارها محاولة إضافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، خصوصاً أن لبنان لم يعد في موقع يسمح له بالتعامل مع الوساطات بمنطق "الترف السياسي".

اللافت هنا أن الحديث عن الباب الروسي لا ينطلق من فرضية نظرية أو من تمنيات سياسية، بل من معطيات تشير إلى أن موسكو كانت قد حاولت بالفعل جس نبض هذا المسار قبل انفجار الحرب الأخيرة في إيران، لكن تلك المحاولة بقيت طي الكتمان لعدم تجاوب لبنان معها.

تفيد المعلومات بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أوفد مبعوثاً خاصاً إلى بيروت قبل نحو شهرين تقريباً، وذلك في مهمة محددة استمرت يومين. كان هدف الموفد الأساسي لقاء الرئيس اللبناني جوزف عون حاملاً تصوراً لوساطة مشروطة تقوم على "مثلث تفاوضي" بين: روسيا، الولايات المتحدة، ولبنان، ولكن بشرط عدم إشراك أي طرف دولي آخر، ولا سيما فرنسا أو الاتحاد الأوروبي.

أنهى الموفد مهمته وعاد إلى موسكو بعدما وضع الكرة في الملعب اللبناني. إلا أن السلطة اللبنانية لم تلتقط هذه الإشارة، وفضلت الاستمرار في الرهان على "القناة الفرنسية".

منذ انتخابه رئيساً بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار جعل الرئيس اللبناني جوزف عون باريس أول محطة غربية له، في زيارة ركزت على تثبيت الهدنة مع إسرائيل واستقرار لبنان. كما أن باريس لعبت دوراً في اجتماعات ضمت فرنسا والسعودية والولايات المتحدة إلى جانب لبنان نفسه (الميكانيزم) لصياغة آلية أكثر صلابة لدعم مسار نزع السلاح وتعزيز لجنة وقف النار.

حتى مع اندلاع الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران تحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معلناً تعزيز التعاون العسكري مع الجيش اللبناني، ومؤكداً سعي باريس إلى منع انزلاق لبنان إلى حرب أوسع. لكن ذلك كله لم يثمر.

الرهان اللبناني على الوساطة الفرنسية لم يكن هامشياً، بل جرب فعلاً وعلى مستويات متعددة. لكن المشكلة أن هذا المسار بالرغم من زخمه لم ينجح في إنتاج اختراق سياسي نهائي. فالآلية القائمة بقيت تدور حول إدارة التوتر أكثر مما تقترب من حل جذري. كما أن اللجنة التي توسعت لاحقاً لتضم موفدين مدنيين من لبنان وإسرائيل بقيت محكومة بالسقف الأميركي وبالاشتراطات الإسرائيلية وبالتعقيدات اللبنانية الداخلية، بما يوحي بأن الحضور الفرنسي كان مرفوضاً.

أما في الأيام الأخيرة فعاد الموقف الإسرائيلي ليقول بوضوح أكبر إن إنهاء الحرب لا يمر بالكلام ولا بالمبادرات المفتوحة، بل عبر أولوية واحدة هي: نزع سلاح "حزب الله". وهذا عملياً هو المأزق نفسه الذي اصطدمت به الجهود السابقة، بما فيها التحرك اللبناني الأخير المتكئ على الكتف الفرنسي.

لكل هذه الأسباب قد تكتسب المبادرة الروسية غير المعلنة أهمية إضافية. فهي لا تعني فقط أن موسكو كانت راغبة في الدخول على خط الوساطة، بل تعني أيضاً أنها كانت ترى أن أي حل واقعي في لبنان لا يمكن أن ينتج عبر البوابة الأوروبية، وهو ما ترفض السلطة في لبنان فهمه.

اشتراط موسكو أن يكون المسار ثلاثياً بينها وبين واشنطن وبيروت حصراً يكشف أنها كانت تدرك مسبقاً أن مفتاح الضغط الفعلي موجود في مكان آخر، وأن أي دور فرنسي مهما كان نشطاً يبقى محدود الفعالية، خصوصاً إذا لم يتقاطع مع الإرادة الأميركية، فكيف إذا كان يتعارض معها؟

في المقابل فإن الطرح الروسي يتلاقى من زاوية معينة مع مزاج ساد في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي بدت أكثر انفتاحاً على موسكو منه على الأوروبيين، خصوصاً في مقاربة الحلول في أوكرانيا وسوريا وكذلك في غيرها من الأزمات. بدت واشنطن كذلك أقل حماسة لأي دور فرنسي مستقل في لبنان، سواء في النقاشات المحيطة بآليات الجنوب (الميكانيزم)، أو في النظرة الأوسع إلى من يتولى إدارة هذا الملف.

هنا بالذات تبرز قيمة التفكير بـ"الخيار الروسي"، لأن موسكو قد تكون ببساطة الطرف القادر على التحدث في آن مع أكثر من جهة يصعب جمعها في قناة واحدة. روسيا ما زالت تحتفظ بعلاقة عمل مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه لم تخسر خطوطها مع إيران. والأهم أنها لم تخرج من سوريا، بل أعادت ترتيب حضورها فيها بما سمح لها بالحفاظ على قواعدها العسكرية الكبرى، وببناء علاقة عملية مع السلطة أحمد الشرع في دمشق. هذا يعني أن موسكو لا تنظر إلى الملف اللبناني من زاوية لبنانية ضيقة، بل من خلال مشهد إقليمي متصل الحلقات يبدأ من جنوب لبنان وقد لا ينتهي عند دمشق أو طهران أو تل أبيب.

هذه النقطة أساسية بالنسبة إلى لبنان، لأن أي بحث جدي في الجنوب، وفي مستقبل سلاح "حزب الله"، وفي الضمانات المتبادلة، لا يمكن فصله عن الإقليم، وخصوصاً عن سوريا وإيران وإسرائيل معاً. الميزة الروسية هنا أنها تتحرك داخل هذا المثلث من دون أن تكون مرفوضة بالكامل من أي ضلع من أضلاعه.

هذه الوقائع تعكس أن موسكو ما زالت طرفاً مقبولاً في المجال الحيوي المحيط بلبنان، سواء من خلال استمرار حضورها السياسي والعسكري في سوريا، أو من خلال احتفاظها بقنوات تشغيلية ودبلوماسية فعالة مع طهران، أو من خلال بقائها طرفاً قادراً على مخاطبة إسرائيل من موقع غير تصادمي بالكامل.

وعليه فإن المطلوب من السلطات اللبنانية اليوم ليس إعلان قطيعة مع باريس، ولا استبدال مرجعية بمرجعية، بل توسيع هامش الحركة. أي أن تقول بيروت للفرنسيين إنها ما زالت تريد التعاون، لكن من حقها أيضاً أن تفتح قناة أخرى قد تساعد في تسهيل التفاهمات حيث تعثرت القنوات الأخرى. وبهذا المعنى لا يكون الباب الروسي تحدياً لأحد، بل ورقة إضافية في يد الدولة اللبنانية، وربما رسالة إيجابية إلى واشنطن نفسها بأن بيروت تبحث عن حل فعلي لا عن اصطفاف بروتوكولي.

بل إن العبرة الأهم في واقعة الموفد الروسي لا تكمن فقط في مضمون العرض، بل في توقيته أيضاً. فموسكو تحركت قبل انفجار الحرب الواسعة، أي بلحظة كان فيها احتواء التدهور لا يزال ممكناً، أو على الأقل كان من الممكن بناء مسار تفاوضي بديل يسبق الانفجار لا أن يلحق به.

لبنان استهلك وقتاً طويلاً في انتظار أن تثمر الوساطات التقليدية. ولم يعد من الحكمة أن يتصرف وكأن مروحة الخيارات ما زالت واسعة. طرق الباب الروسي لا يعني الرهان على معجزة، بل الإقرار بأن الجمود أخطر من التجربة، وأن البلد الذي يقف على حافة انفجار داخلي لا يملك رفاهية رفض أي نافذة قد تفتح. فهل من يتعظ ويتجاوب؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.