: آخر تحديث

جمهورية العشرين دولاراً وبيان "الضباط الوطنيين"

2
1
2

في لبنان، الأوهام لا تندثر بسهولة، بل تتغير تسميتها فقط. فهي مرة تقدم على أنها "مقاومة"، وأخرى تلبس ثوب "التوازنات الداخلية"، أو تسوق تحت شعار "حماية السلم الأهلي". واليوم يظهر لنا هذا الوهم من جديد في بيان يحمل توقيع "الضباط الوطنيين"، الذين اختاروا أن يحذروا اللبنانيين من خطر وضع الجيش في مواجهة "قوى وطنية تتصدى لعدوان خارجي". هذه اللغة، التي تبدو للوهلة الأولى وكأن مصطلحات الوطنية تضيف عليها بديعاً وبياناً، تخفي حقيقة في طياتها رواية قديمة أعيدت صياغتها، وهي أن مواجهة حزب الله أو السعي إلى نزع سلاحه سيترتب حتماً عليهما انقسام الجيش وربما سيؤديان إلى حرب أهلية.

هذه الرواية ليست جديدة بالنسبة إلى اللبنانيين، بل تكاد تكون العقيدة السياسية التي بنى عليها حزب الله وجوده منذ عقود. فكلما اقترب النقاش من سؤال السيادة، قيل للبنانيين إن البديل هو الفتنة، وكلما اقتربت الدولة من استعادة دورها، خرجت جوقة التحذير نفسها لتقول إن أي محاولة للمساس بالسلاح ستدفع البلاد نحو الانفجار الداخلي. لكن الحقيقة التي يتجاهلها هذا البيان هي أن هذه ليست عقيدة وطنية بقدر ما هي عقيدة خوف، صممت بعناية لإقناع اللبنانيين بأن بقاء السلاح خارج الدولة هو الثمن الذي يجب دفعه لتجنب الكارثة.

الجيش اللبناني لم ينشأ ليكون وسيطاً بين الدولة والميليشيات، ولم تسن لوائحه القتالية ليقف على الحياد بين الدستور وأي تنظيم مسلح. إن الفكرة التي تنادي ببقاء الجيش "محايداً" في خضم هذا الصراع ليست سوى انقلاب على مفهوم الدولة نفسه. فالدستور اللبناني واضح في هذا الصدد إذ نص على أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة. والجيش، بوصفه المؤسسة العسكرية الشرعية الوحيدة، هو الأداة التي يفترض أن تحمي هذه القاعدة. وعندما يخرج بعض الضباط ليقولوا إن مواجهة حزب الله تعني وضع الجيش في مواجهة "مكون لبناني"، فإنهم لا يدافعون عن المؤسسة العسكرية بقدر ما يفرغونها من دورها الأساس. فالجيش الذي يخشى تطبيق الدستور ليس جيشاً، بل جهاز لإدارة الأزمات، والجيش الذي يقف على الحياد بين الدولة والتنظيم المسلح يتحول عملياً إلى غطاء لوجود الميليشيات.

التهديد بالحرب الأهلية، الذي يلوح به البيان، هو أحد أكثر الأسلحة السياسية استخداماً في لبنان لإغلاق أي نقاش حول سيادة الدولة. لكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا بسيط: من الذي يهدد بالحرب الأهلية فعلاً؟ هل هي الدولة التي تسعى إلى حصر السلاح بيدها؟ أم التنظيم الذي يحتفظ بترسانة عسكرية خارج مؤسساتها ويعلن أن ولاءه السياسي والعقائدي يتجاوز حدود لبنان؟ إن الحرب الأهلية لا تنشب بسبب تطبيق الدولة للقوانين، بل تشتعل شرارتها عندما يقرر تنظيم مسلح ما التفلت من تطبيق القانون. والمفارقة أن البيان يتحدث عن "مقاومة تتصدى لعدوان خارجي"، في حين أن الواقع يظهر أن هذا السلاح نفسه كان سبباً مباشراً في جر لبنان إلى حروب متكررة لم يقررها شعبه.

الذين يرفعون شعار "حماية الجيش" يفترضون ضمنياً أن الجيش اللبناني مؤسسة هشة إلى درجة أنه قد يتفكك إذا طلب منه تنفيذ الدستور. هذا الافتراض بحد ذاته إهانة للمؤسسة العسكرية وتاريخها، فالجيش الذي تمكن من إعادة هيكلة تنظيمه بعد الحرب الأهلية وحافظ على قدر من التماسك بالرغم من الانقسامات السياسية ليس مؤسسة قابلة للانهيار بسبب قرار سياسي. المشكلة الحقيقية ليست في الجيش، بل في استخدامه كذريعة لحماية سلاح حزب الله. فالمنطق الذي يحكم هذا الخطاب بسيط: لا تمسوا الميليشيات لأن الجيش قد ينقسم. وبهذا المعنى يصبح السلاح غير الشرعي هو المرجعية التي يجب أن تتكيف معها الدولة بدلاً من أن تكون الدولة هي المرجعية التي يخضع لها الجميع.

في الأيام الماضية عاين اللبنانيون مشهداً يختصر المأساة بأكملها عندما أطلق سراح عناصر من حزب الله متهمين بنقل السلاح مقابل غرامة لا تتجاوز عشرين دولاراً. عند هذه اللحظة يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يريد حزب الله جيشاً وطنياً فعلاً؟ أم أنه يفضل جيشاً منزوع الصلاحيات، عاجزاً لا تتجاوز قيمة قراراته بضعة دولارات؟ فحزب الله لا يخشى انهيار الجيش، بل يحتاج أن تكون مؤسسة الجيش ضعيفة للإبقاء على سلاحه. فالجيش القوي يعني دولة قوية، والدولة القوية تعني نهاية الميليشيات.

شعار الجيش اللبناني هو "شرف، تضحية، وفاء". لكن الشرف لا يعني الصمت في وجه الميليشيات، والتضحية لا تعني التضحية بالدولة، والوفاء لا يكون لتنظيم مسلح بل للبنان ودستوره. وإذا كان بعض الضباط يعتقدون أن حماية وحدة الجيش تعني تجميد دوره، فإنهم في الواقع يفرغون هذا الشعار من معناه.

يبقى السؤال الأصعب: ماذا لو كان الجيش غير قادر فعلاً على القيام بواجبه؟ ماذا لو كانت المؤسسة التي يفترض أن تحمي الدولة تخشى مواجهة تنظيم مسلح داخلها؟ في هذه الحالة لا يعود النقاش محصوراً بسلاح حزب الله، بل يصبح نقاشاً حول طبيعة الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة التي لا تستطيع حماية سيادتها ليست دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، والجيش الذي لا يستطيع تنفيذ الدستور لا يمكن اعتباره مؤسسة سيادية.

غير أن الأخطر في هذا البيان لا يكمن فقط في لغته بل في توقيته السياسي، فهذه الرسالة تبدو أقرب إلى خطوة استباقية لمرحلة ما بعد الحرب، حين ستجد الدولة اللبنانية نفسها أمام استحقاق لم يعد بالإمكان تأجيله: بسط سيادتها الكاملة على أراضيها ونزع السلاح غير الشرعي شمال الليطاني. فقرار مجلس الأمن رقم 1701 كما عرفناه منذ عام 2006 لم يعد قائماً بالصيغة التي اعتاد حزب الله الاحتماء بها، إذ إن الواقع العسكري والسياسي الذي فرضته الحرب الأخيرة جعل من الواضح أن المجتمع الدولي لم يعد مستعداً للتعايش مع معادلة "الدولة إلى جانب الميليشيات".

وفي هذا السياق يصبح مفهوماً لماذا يسارع بعض الضباط إلى رفع شعار الخوف على وحدة الجيش. فالمهمة التي ستطرح على المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة لن تكون رمزية، بل ستتعلق بإنهاء الوجود العسكري الإيراني في لبنان، سواء تمثل بسلاح حزب الله أو ببقايا نفوذ الحرس الثوري. ومن هنا يبدو بيان "الضباط الوطنيين" بمثابة محاولة مبكرة لرسم خطوط حمراء أمام هذا الاستحقاق عبر إعادة إنتاج الرواية القديمة نفسها: أن أي خطوة تتخذها الدولة في هذا الاتجاه ستقود حتماً إلى انقسام الجيش وإلى حرب أهلية.

في النهاية، من يفضل "الوطنية" المغموسة بالزعفران الإيراني على شرف المؤسسة العسكرية اللبنانية، فليخلع بزته العسكرية ويرحل. فالجيش اللبناني لا يمكن أن يكون فرعاً من الحرس الثوري، أو في نسخته اللبنانية الرديئة.

وفي المحصلة، يا مدعي "الوطنية" ومع كل الاحترام.. وطنيتكم هي بيع البلد لمن يدفع أكثر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.