: آخر تحديث

عصر المنصات وأزمة الحقيقة

2
2
2

لم تعد أزمة العالم اليوم أزمة سرعة أو وصول، بل أزمة معنى. فنحن نعيش عصراً تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لكن الحقيقة نفسها تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى، فالمنصات الرقمية لم تغير فقط شكل صناعة الخبر، بل أعادت تعريف من يملك سلطة التأثير. ولم يعد الصحفي وحده بوابة العبور إلى المجال العام، ولم تعد المؤسسة العالمية هي الحارس الأول للرواية.

اليوم، تقف الخوارزميات في موقع المحرر غير المرئي، تقرر ما يظهر وما يهمش، وما يتحول إلى قضية رأي عام وما يمر عابراً بالأثر. ففي هذا السياق، لم يعد التحدي أن نصل إلى المعلومة، بل أن نميز بين طبقاتها، بين الخبر والرواية، بين الوقائع والتأويل، بين ما يحدث فعلاً وما يعاد إنتاجه رقمياً ليخدم منطق التفاعل. فاقتصاد الانتباه غير المعايير، والقيمة لم تعد تقاس بمدى الدقة فقط، بل بمدى القابلية للانتشار.

وحين تصبح الأولوية لما يثير لا لما يفسر، ولما ينتشر لا لما يثبت، تتراجع المعايير المهنية أمام ضغط السرعة والخوارزمية. ففائض المحتوى خلق تشبعاً، والتشبع ولد ارتباكاً، والارتباك أنتج شكاً عاماً في كل ما ينشر.

السؤال لم يعد: هل هذا الخبر مهم؟ بل: هل يمكن الوثوق به أصلاً؟

غير أن التكنولوجيا ليست خصماً بالضرورة، فالمشكلة لا تكمن في المنصات ذاتها، بل في غياب الضوابط المهنية التي تحكم استخدامها. فالأدوات الرقمية يمكن أن تعزز التحقق والتدقيق إذا وضعت ضمن إطار أخلاقي واضح، لكن حين تترك لمنطق التفاعل فقط، تتحول الحقيقة إلى مادة قابلة للإعادة والصياغة وفقاً لانتشار الوقائع.

المعادلة الجديدة تفرض إعادة تعريف دور الصحفي. فلم يعد ناقلاً للمعلومة فحسب، بل مفسراً للسياق، ومدققاً للروايات، وحارساً للمعنى في فضاء يعج بالضجيج. والثقة لن تعود عبر الحنين إلى الماضي، بل عبر بناء حضور مهني رصين داخل المنصات ذاتها، يفهم منطقها دون أن يخضع له.

عصر المنصات كشف هشاشة البوابات التقليدية، لكنه فتح أيضاً فرصة لإعادة ترميم العلاقة بين العالم والجمهور. فالمهنية اليوم ليست في مقاومة الواقع الرقمي، بل في تطويعه لخدمة الحقيقة، وبناء وعي عام قادر على التمييز في زمن تتكاثر فيه الروايات.

المعركة اليوم ليست بين العالم التقليدي والعالم الرقمي، ولا بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل بين نموذجين: عالم يلهث خلف التفاعل، وعالم يسعى إلى بناء وعي مسؤول.

ويبقى السؤال مفتوحاً:

في زمن المنصات، من يملك الحقيقة فعلاً؟

ومن يملك الشجاعة لحمايتها؟

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.