كثيراً ما نسمع في أحاديث الناس قولهم إن فلاناً لا يعرفك إلا عند حاجته، ولا يقترب منك إلا حين تلوح في الأفق مصلحة يرجوها. وحين نتأمل هذا الوصف ندرك أنه لا يشير إلى علاقة إنسانية عابرة، بل إلى نمط من العلاقات التي فقدت روحها وتحولت إلى حسابات باردة تحكمها المنفعة أكثر ما تحكمها المودة أو القيم. فالمصلحة في معناها البسيط ليست مذمومة بالضرورة، إذ تقوم حياة البشر على تبادل المنافع. غير أنها حين تتحول إلى غاية مجردة تختزل فيها العلاقات الإنسانية تصبح مرآة لخلل أخلاقي واجتماعي عميق.
من هنا ولدت تلك الشخصية التي يعرفها الناس بوجوه مختلفة لكنها تتحد في الجوهر ذاته: المتملق والمنافق والوصولي والانتهازي وماسح الجوخ، وكلها أسماء تتجمع في صورة واحدة يطلق عليها في لغة الناس اسم "المصلحجي". إنه كائن اجتماعي غريب التكوين لا يتحرك بدافع المودة ولا يستقيم على قاعدة الوفاء، بل يتخذ من الآخرين جسوراً يعبر فوقها نحو غاياته الخاصة. ولأنه لا يرى في العلاقات إلا أدوات لتحقيق رغباته فإن أنانيته تصبح مركز شخصيته ومحورها.
وما أكثر هؤلاء في زمن أخذت فيه المصلحة تتغلب على كثير من القيم التي كانت تعد يوماً أساساً للعلاقات بين الناس. يكفي أحياناً أن تقدم خدمة بسيطة حتى تجد من يحاول أن ينسج حولك خيوط القرب، لا حباً بك بل طمعاً في منفعة قد تتحقق الآن أو لاحقاً. يبدأ ذلك بالتودد والاستعطاف ويتحول تدريجياً إلى نوع من التسلل الهادئ إلى حياة الآخر حتى يصبح وجوده مشروطاً بما يقدمه من منفعة.
وقد ازدادت هذه الظاهرة وضوحاً في مجتمعات الاغتراب، حيث تعيش كثير من الأسر العربية في بيئات جديدة تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية على أسس مختلفة. فالهجرة بما تحمله من تحديات اقتصادية وثقافية ونفسية جعلت العلاقات أكثر هشاشة وأقرب إلى السطحية منها إلى العمق الذي عرفناه في مجتمعاتنا التقليدية. ولم تعد المصلحة حكراً على العلاقات الاجتماعية العامة، بل تسللت أحياناً إلى داخل الأسرة نفسها حيث أصبح بعض الآباء والأبناء يتعاملون بمنطق المنفعة المتبادلة لا بمنطق الألفة والرحمة.
وفي ظل القوانين والأنظمة التي تمنح الأفراد، وخاصة النساء، مساحة واسعة من الحرية والحقوق في المجتمعات الأوروبية نشأت تحولات جديدة في توازنات الأسرة. وهذه الحقوق في أصلها جاءت لحماية الإنسان من الظلم والاستبداد، وهو أمر لا يختلف عليه عقل منصف. غير أن الإشكال يظهر حين تستعمل هذه الحقوق أحياناً خارج روحها الأخلاقية فتتحول إلى أدوات ضغط أو صراع داخل البيت الواحد بدلاً من أن تكون ضمانة للعدل والاستقرار.
وهنا تتشابك المصلحة مع عوامل أخرى: تأثير وسائل التواصل وتبدل القيم وتراجع الحوار داخل الأسرة. فيجد بعض الرجال أنفسهم أمام واقع معقد يختلط فيه القانون بالانفعال والحق بالاستغلال، فيلوذ كثير منهم بالصمت باعتباره الطريق الأقل خسارة. لكن هذا الصمت في كثير من الأحيان ليس حلاً بقدر ما هو تعبير عن حيرة إنسانية عميقة أمام تحولات اجتماعية سريعة.
إن الحديث عن المصلحة ليس مجرد نقد لسلوك فردي، بل هو تأمل في صورة المجتمع حين تختل موازين القيم فيه. فحين تصبح المنفعة معيار العلاقات يفقد الإنسان شيئاً من إنسانيته وتفقد العلاقات معناها الأعمق. ولهذا تبقى الحاجة قائمة لإحياء تلك القيم التي كانت تجعل من العلاقة الإنسانية مساحة للصدق والوفاء لا مجرد ساحة للمنافع العابرة.
فالمجتمعات لا تنهض بالمصالح وحدها بل بما يحفظ كرامة الإنسان داخل هذه المصالح: من احترام ووفاء وشعور صادق بأن الآخر ليس وسيلة بل شريكاً في إنسانيتنا.


