في السياسة لا يستطيع أحد الاعتماد على منطق الحساب لمعرفة ما سيجري؛ لأنها نتاج العقل البشري الذي لا يخضع لمنطق العلوم التطبيقية البحتة، حتميةً ونتيجةً: (1+1=2). وفي الحقل الاستخباراتي والأمني كذلك لا يمكن لأحد أن يعرف ما يجري، وبطبيعة الحال ما سيجري ويحدث، للمنطق ذاته. ولأن منطق هذا الحقل يستند إلى السرية واللامتوقّع. وأما في الاقتصاد فيصعب اليقين مما سيجري، لكنه يمكن فهم ما يجري؛ ولأن الغاية الاقتصادية متحكمة في الحقلين السابقين، فيمكن معرفة الاحتمالات المستقبلية لهما؛ فإذا عسر الأمر واضطرب يصير منطق التكهّن هو الممكن الوحيد إتاحة. وهذا ما تصير إليه المستقبليات حين تدخل هذه الحقول الثلاثة مركب الحرب لتحصيل غدها؛ إذ الحروب لا تمتطى لبلوغ الغاية المكانية وإنما الزمانية، أو بالأحرى هناك من يمتطيها ليصل إلى مراده عبر تجاوز المسافة المكانية، وهناك من يمتطيها إلى مراده عبر تجاوز المسافة الزمانية. وبحسب فهم منطق السبيلين، المكاني والزمني، ومعرفة طبيعتهما يصبح التكهّن أكثر قابلية للمنال والمنطق الحسابي.
واليوم وقعت الحرب، ويبدو أنها تمكنت من وجودها واستحكام حلقاتها، وصار المتحاربون داخلها وطوع سيرها. فلا يقدر أحد ولا جهة على معرفة ما سيجري بالاستناد إلى منطق الحساب، ولا يمكن الركون طويلاً إلى منطق الاحتمالات والثقة بها منهجاً وحيداً للمعرفة؛ فلم يبق من سبيل إلا التكهّن، أو هو التكهّن المبني على منطق الاحتمالات. وهذا يبدو متاحاً للتكهّن بما جرى، وما سيجري، بناءً على مدى إدراك ما يجري الآن وفهم تصوراته.
نحن نعرف أن ما يجري الآن هي الحرب، أو هكذا تظهر، ونعرف أطرافها، ونعرف أن الحلف الأميركي الإسرائيلي يسعى إلى بلوغ مراده المعلن (الصهيوذوكسي/ أو الصهيوليبي) لرسم الخريطة التلمودية للشرق، وما تضمره هذه الخريطة أو تحتويه من ريع غنيمي ومقاصد اقتصادية يجري تبنيد صفقاتها لاحقاً.
ونحن نعرف أن هناك حرباً أخرى تجري على حواف الخريطة الراهنة لحدود النيتو الشرقية، بين روسيا بأحلامها القيصرية السلافية وأوكرانيا بتطلعاتها الأوروبية الغربية.
وبناءً على معطيات ما نعرفه مما يتجلى لنا ظاهرياً أو فيزيائياً، يمكن التكهّن بعناصره المكوّنة ومعادلاته الناظمة، لمقاربة ما جرى مما نجهل تفاصيله، وما سيجري مما يدخل في علم الغيب، حتى على أطرافه.
فإيران تعتمد على الزمن لبلوغ مرادها في هزيمة خصومها. وأما الحلف المهاجم فيعتمد على المكتسب المكاني الذي يمكن أن يغنمه ليتمكن من تغيير الخرائط وبلوغ المراد. وفي المقابل من ذلك في الحرب الأخرى يجهد الروسي إمكانياته لتحصيل المكسب المكاني من الجغرافية الأوكرانية لبلوغ مراده المعلن في رسم حدود النيتو، وما يحتويه هذا المراد من ركائز اقتصادية مضافة، في حين تريد أوكرانيا الخلاص من الفخ المكاني الذي كانت تأمل من خلاله دخول النادي النيتوي، وصارت تتسلح بالصمود الزمني للإفلات من هذا الفخ، بالرغم من التخبّط الأوروبي الغربي بين ضم أوكرانيا لحلفه وإرجاع روسيا إلى حدودها السابقة على الحرب.
ما يجري بين أوكرانيا وروسيا هي حرب مكتملة التكوين البنيوي، وأما مع إيران فهي مخاض حرب، إن اكتملت لا محالة ستغير خرائط المنطقة ونظمها البنيوية. بيد أن هذا التغيير قد يكون تلمودياً، وقد يكون معاكساً، فيفرض واقعاً عالمياً جديداً.
لقد ورّط الروس في حرب جعلتهم عرضة للابتزاز والمساومات. من هنا يجوز التكهّن بأن هناك من ورّط أميركا بحرب مماثلة لابتزازات مماثلة. فليس بمستبعد أن هذا التوريط ابتدأ من الفخ السوري الذي صُوِّر أو تصورناه نتيجة الابتزازات التي خضعت لها روسيا؛ وإذ به طعماً سال له لعاب أطراف حلم هندسة الخريطة التلمودية. وعلينا أن نتذكر وندرك أن أميركا التي هي أقوى آلة حربية على وجه الأرض اليوم، لم تخض حرباً مكتملة أبداً؛ إذ كانت دوماً تترك خصمها ينهكه الضعف وانعدام الحيلة فتنقض عليه؛ حتى مع اليابان، فهي لم تدخل الحرب إلا والإمبراطورية على وشك الهزيمة، وتكاد الحرب تخلع أوزارها، والقوى المتصارعة في أنفاسها الأخيرة وهي تشد من عزمها متطلعة إلى بلوغ النهاية. ويجب ألا يفوتنا أن كل خصم لأميركا يدخل في حلف قوي داعم بسخاء له، يتعب آلة الحرب الأميركية ويرهق عزيمتها ويحبط فيها إرادة المواصلة.
لقد أجبرت إيران على أن تكون الصنارة المغلفة بالطعم؛ هذا مؤكد وظاهر للعيان، لكن ما هو تكهّن مستعار من حقل الاحتمالات: أن التنين الصيني هو ذاك الصياد الصائم عن الكلام أو الحركة، وأنه محكم قبضته بعصا الصنارة وقد أعد عدته لدعم الزمن الإيراني الذي تتسلح به خياراً وحيداً متاحاً حتى الحين.
إنها احتمالات عبثية وتكهنات غيبية ليست مستبعدة فيها أي فرصة للغرائبية والمفاجآت غير المتوقعة. قد نرى مهزوماً مثل الأسد تستدعيه رواية المرحلة القادمة ومتطلباتها، فيعود للمشهد من باب النصر بعد أن خرج منه من نافذة الفرار، يساعد على ذلك وعي جمعي مغيب وجماهير مسلوبة الإرادة وإرادة الإرادة، فتعيش حالة شبه شعب وشبهته. وقد نرى خلاف ذلك فيصير الشرع يد المنتصر الضاربة في المنطقة، وشاهنشاه المنطقة الجديد، ولا سيما إن ثمة معطيات توحي أن ما جاء به الإرادة الأميركية وليس الإقليمية أو العربية منها، ولا سيما أن ثمة توجساً وخيفة عربية من تمكين قوة جهادية مجاورة لها في حيزها الإقليمي، وخاصة في توجه السياستين المصرية والإماراتية. وكذلك يبدو أن الشرع لا يحقق التطلعات السعودية في كثير من سياساته، ولا التركية، حتى القطرية يبدو أنها لديها ما تخفيه تجاه سياسات دمشق الراهنة؛ فلم يبق إلا أن أميركا هي الداعم الحقيقي والأول لسلطة الشرع لغاية ما، ربما هي ذاتها التي استغلها الروسي فضحى بما ضحى طعماً وطمعاً بما هو أبعد. ثم شاركت الصين بالسنارة الإيرانية لتثبيت الطعم السوري بغية غايتها الضاربة.
قد يحقق هذا الطرف أو ذاك غايته، وقد يخفق الطرفان، لكن الأكيد أن الحرب ستحقق مرادها بالاستحواذ على أدواتها وأطرافها. وهذا التحقق يفتح باب التكهّن على مصراعيه للدخول في دائرة من الاحتمالات المتوقعة وغير المتوقعة، ولحقل من الألغام المجهولة التي تنتظر زلات الأقدام لتكشف عن ضحاياها.
وفي كل هذا الاصطراع المحتدم يبقى على العرب، وخاصة مصر، أن يكون لهم احتمالاتهم التي يمكن أن ترمي بها عند الحاجة. وربما قد نتفاجأ بأن يكون ثمة صنارات عربية لها نصيبها من الانتظار، وإن كانت حال تاريخ الصيد تقول إن الصنارة تحتاج إلى أن يكون ثمة طعم يوحي بوجودها، وهذا ما هو غير واضح في المشهد الراهن.
ثمة كثير من الأسطرة للحكايات الماسونية؛ بيد أن لخفايا السياسة حكايتها الواقعية شبه الماسونية.


