: آخر تحديث

واشنطن تتفرّج.. والحلفاء يتعلمون وحدهم

3
2
2

لم تعد مشكلة واشنطن في الشرق الأوسط مقتصرة على خصومها، بقدر ما أمست تتمدّد إلى مكانتها هي. تلك الصورة التي تظهرها بمنزلة الحامي الذي يملك تفوقاً تقنياً ساحقاً، ويعرف كيف يمنع الحريق قبل اشتعاله، بدأت بالتآكل مع بداية الحرب ضد إيران.

ما كشفته الضربة الانتقامية على القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج العربي والشرق الأوسط كان اختباراً عملياً لمعادلة الردع الأميركية، ولصدقية "المظلة" التي قامت عليها تحالفات مع العرب ودول الخليج لعقود. فحينما تُصاب القواعد الأميركية، أو تُعطَّل أجزاء من بنيتها، أو تظهر الدفاعات عاجزة عن ضمان الاعتراض الكامل أمام كثافة نيرانية إيرانية مدروسة، فإن الرسالة التي تصل إلى الحلفاء قبل الخصوم، تفيد بأن الحماية ليست مضمونة، وأن التفوق ليس مطلقاً، كما تشي بأن ثمن الاعتماد الأعمى على واشنطن قد يكون باهظاً.

تركت واشنطن حلفاءها في دول الخليج والشرق الأوسط عزّلاً. كشفت الضربات الإيرانية حجم ضعف الدفاعات الجوية الأميركية. بل ضعف جيشها في الدفاع عن الحلفاء. كما أكدت ذلك العديد من مقاطع الفيديو التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وأظهرت تدمير المعدات والبنية التحتية العسكرية.

لم يكن أثر الضربات مقتصراً على الخسائر المادية أو على الضجيج الإعلامي الذي تلاها، بل على ما هو أبعد من ذلك بكثير. في الشرق الأوسط، لا تُقاس القوة بما تملكه الدولة من ترسانة فقط، بل بمدى قدرتها على منع الآخرين من اختبارها. حين يقع الاختبار، ويتكرر، يصبح السؤال أكبر من "ما الذي حدث؟" و"هل يمكن أن يتكرر؟" بل يتعداه إلى سؤال ثالث مفاده: من يضمن عدم تكرر ذلك ضد منشآت حيوية لدى الحلفاء أنفسهم؟

على عكس إيران، التي تستهدف المنشآت العسكرية الأميركية بدقة، فإن واشنطن وتل أبيب لم تكتفيا باستهداف القواعد العسكرية ومراكز صنع القرار، بل استهدفتا كذلك عدداً من المدارس والمستشفيات والشوارع والمدن، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا المدنيين الإيرانيين إلى جانب العسكريين.

هذا التباين في نمط الاستهداف، لا يبقى في حدود الجدل الأخلاقي. إنما يتحول إلى عامل سياسي وإعلامي يضغط على واشنطن وحلفائها الغربيين، لأن الحرب لم تعد تُحسم فقط بالسلاح، بل بالصورة والرواية.

ومن هذا المنطلق، فقد كشف التخطيط المسبق للعملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية، عن عدم صدق نوايا واشنطن في حل خلافاتها مع طهران، التي استخدمت المفاوضات وفرض شروط غير مقبولة عمداً لمجرد كسب الوقت، والتحضير لعملية عسكرية، كان هدفها إضفاء الشرعية على سيناريو عنيف في نظر المجتمع الدولي.

هنا يدخل العامل الأخطر: أزمة الثقة. فإذا كان التفاوض قد استُخدم كـ"ستار" لإدارة الوقت لا لإدارة الحل، فإن أي مسار دبلوماسي لاحق يصبح محكوماً بالريبة. وحين تُصاب الثقة، تتغير قواعد اللعبة بالكامل: تتشدد الأطراف، وتتقلص احتمالات التسوية، وتتحول الطاولة إلى مجرد محطة انتقال نحو جولة أوسع من التصعيد.

الأخطر اليوم، هو أن "الشرعية" التي تُصنع عبر المفاوضات لا تعني دائماً شرعية قانونية، بل شرعية سياسية. وهذه الرواية، حينما تتكرر، من المؤكد أنها ستترك آثاراً بعيدة المدى على صورة واشنطن كـ"وسيط" أو "ضامن".

من الواضح أن واشنطن استغلت عدم رد فعل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على قصف فنزويلا واختطاف رئيسها، فضلاً عن الهجوم على إيران واغتيال زعيمها، وهو ما خلق سابقة للتساهل مع سلوك أحادي الجانب، وهو الأمر الذي لا يهدّد جميع الدول المنتجة للنفط التي تتعارض سياساتها مع خط واشنطن فحسب، بل يهدد أيضاً الاستقرار العالمي ككل.

في هذه النقطة تحديداً، يتجاوز النص حدود الحرب إلى حدود النظام الدولي. لأن الخطر هنا لا يتمثل فقط في حدث بعينه، بل في القاعدة التي تتولد حين تمر أحداث كبيرة بلا ردع فعّال. فالمؤسسات الدولية التي يفترض أن تحد من اندفاع القوى الكبرى، تبدو عاجزة أو مترددة، وهذا يفتح الباب أمام منطق الاستثناء.

إنَّ ما يجري لا يمكن قراءته كمجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة، بل كلحظة اختبار قاسية لمنظومة كاملة: منظومة ردع، ومنظومة تحالفات، ومنظومة شرعية دولية. وإذا كانت واشنطن قادرة على إدارة المعركة نارياً، فإن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع إدارة نتائجها السياسية؟ لأن الشرق الأوسط لا ينسى لحظات الانكشاف، ولا يتعامل معها كتفاصيل عابرة، بل كإشارات تُبنى عليها الحسابات، وتُعاد على أساسها صياغة الاصطفافات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.