: آخر تحديث

الجنون اللبناني يُدهش العالم مجدداً

1
1
1

قبل عدة أيام، اتصل بي صديق أميركي مستفسراً عن حقيقة محتوى بعض المقاطع المصورة المتعلقة بالحرب التي تدور رحاها في لبنان، والمنتشرة بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي.

الصديق سأل تحديداً عن حقيقة مقطع مصور يظهر مجموعة من الأشخاص جالسين في مقهى - يبدو أنه جُهِّز على عجل - مطل على منطقة الضاحية الجنوبية، يشربون القهوة والشاي والنرجيلة، يرمقون الضاحية عن بعد ويعدون العدة لتصوير الغارات الجوية، والاستفسار عن المناطق المستهدفة. ظاهرة قد يضعها البعض في إطار سريالي، فالمواطن الأميركي لم يقتنع للوهلة الأولى بالمقاطع المتداولة ظناً منه أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي.

الحرب الحالية التي تعد استكمالاً لحرب 2024 بدأت تظهر أكثر فأكثر حالة غريبة تصيب المواطنين اللبنانيين، بحيث أصبح من الصعوبة أن يتم تحديد الوعي من اللاوعي، ولكن هذه الظاهرة الاجتماعية مرتبطة كثيراً بالحياة السياسية القائمة، فإذا كان المواطن العادي غائباً عن الحقيقة فله عذره بحجة مشاغل الحياة اليومية، وتأمين قوت العيش، ولكن الملفت للنظر والمدهش أكثر، قامات البلد السياسية التي بطبيعة الحال من المفروض أن تكون على بيّنة من الأمور، فإذا بها تعيش هي الأخرى في عالم مليء بالأوهام عن قصد أو بدون قصد.

وإذا كان جمع من المواطنين تحلق في مقهى لرؤية ما يحدث في الضاحية، فإن جمعاً آخر من كبار السياسيين بدأ يعد العدة للخوض في مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، أو قل "المنتج الجديد الذي تنوي السلطات اللبنانية بيعه إلى العالم"، وهو منتج لا يقل جودة عن المنتجات التي جرى تصديرها في الأشهر الأخيرة من ماركات حصرية السلاح جنوب الليطاني، واستعادة قرار الحرب والسلم قبل أن يتبين انتهاء صلاحية هذه المنتجات.

التفاوض المباشر، حول ماذا ولماذا؟ أسئلة تبقى في المجهول لكن المهم الجهوزية، ولا يهم هنا أن وافقت إسرائيل أو الولايات المتحدة، أو أي دولة على سطح الكرة الأرضية، المهم أن تجهز السلطة فريقها، وأن تبعث برسالة خارجية إلى العالم أن المنتج الجديد سيصبح قريباً في الأسواق، وأخرى داخلية إلى المواطنين أن المشاهدة الحية لعمليات القصف والتي ساهمت سياسة الدولة إلى جانب صواريخ في توفيرها لهم قد اقتربت من المراحل النهائية.

الجنون اللبناني لم يقف عند المقاهي أو في الصالونات السياسية حيث الإعداد للتفاوض، فهل يعقل أن نذهب إلى قبرص لملاقاة إسرائيل و-حتى لو لم تحضر- بدون المفردات والعبارات اللبنانية الفريدة، مثل الستة والستة مكرر، وتوزيع الحصص والجوائز على الأحزاب والطوائف حتى لو كانت على أنقاض وطن.

بكل بساطة، وكي تحافظ السلطة على مبدأ الانصهار الوطني، والعيش المشترك، جرى حجز حصص للطوائف والأحزاب في الوفد الذي يجري تجهيزه للبحث في أخطر ملف يتعلق بلبنان منذ ما قبل نيل الاستقلال، ونعني هنا جغرافية الكيان اللبناني. وفد يجري تشكيله تماماً كما يتم منذ الاستقلال تشكيل الحكومات والتي وصلنا بفضلها إلى ما وصلنا إليه.

مخطئ من يعتقد أن حزب الله يتحمل المسؤولية وحيداً فيما آلت إليه الأوضاع في لبنان، لأن عدداً كبيراً من الأحزاب والشخصيات التي شاركت في جنة السلطة مسؤولة هي الأخرى عن جزء من الخراب، بظل التعاطي غير الجدي وغير المسؤول على الأقل منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. هذه الجماعات مجتمعة ضربت ثقة المجتمع الدولي بالسلطات اللبنانية حتى أضحت تتشاور مع نفسها وتعد الوفود من تلقاء نفسها وتضرب موعداً مع أطراف صرحت علناً أنها غير معنية بأي تفاوض، والأخطر من هذا كله أن فقدان الثقة الدولية وصل إلى المؤسسة العسكرية التي قد تكاد تكون المؤسسة الوحيدة التي تحوز ثقة اللبنانيين، ولكن قدرها على ما يبدو أن تدفع فاتورة مغامرات السياسيين اللبنانيين بين المرحلة والأخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.