في الحروب الحديثة لا تقاس القوة بما يعلن، بل بما يخفى.
وما يدور اليوم حول الترسانة الصاروخية الإيرانية ليس مجرد أرقام متداولة في تقارير مفتوحة، بل معركة صامتة بين ما تقوله المصادر الغربية وما تخفيه طهران خلف جدران الصمت العسكري. فالنظام الإيراني منذ بداية الحرب اختار أن يتحدث بالصورة الدعائية لا بالبيانات الدقيقة، تاركاً مهمة تقدير قدراته لمراكز الأبحاث العسكرية وأجهزة الاستخبارات التي تحاول قراءة ما يجري بين الضربات الجوية وحرائق المخازن.
المعلومات المتاحة حتى الآن متناقضة بطبيعتها، لكن الخطوط العامة باتت أكثر وضوحاً. فقبل اندلاع الحرب كانت تقديرات مراكز الدراسات الدفاعية الغربية تشير إلى أن إيران امتلكت قرابة 2500 صاروخ باليستي بمزيج من الصواريخ قصيرة المدى والمتوسطة، وهي الترسانة التي بنيت على مدى سنوات عبر برنامج إنتاج مستمر يضيف أكثر من 100 صاروخ شهرياً في بعض الفترات. غير أن الأشهر الأخيرة من الحرب كشفت أن الجزء الأكثر حساسية في هذه المنظومة لم يكن عدد الصواريخ بقدر ما كان عدد منصات الإطلاق التي تشكل العمود الفقري لأي هجوم كثيف.
مصادر عسكرية مرتبطة بالتقييمات الإسرائيلية والأميركية تشير إلى أن الضربات الجوية المركزة استهدفت هذا العمود الفقري بشكل منهجي. فعدد منصات الإطلاق التي كانت تقدر بنحو 460 منصة قبل الحرب انخفض بصورة حادة، ويعتقد أن ما بقي منها اليوم لا يتجاوز 100 إلى 120 منصة عاملة. هذا الرقم، حتى لو بقيت الصواريخ نفسها في المخازن، يغير طبيعة الحرب بالكامل، لأن القدرة على إطلاق وابل كثيف في وقت واحد أصبحت محدودة للغاية.
هنا تظهر المفارقة العسكرية التي يتحدث عنها بعض الضباط الغربيين في مجالس مغلقة: إيران ربما لا تزال تمتلك مئات الصواريخ المتوسطة المدى القادرة على الوصول إلى إسرائيل أو أهداف بعيدة، لكن تراجع منصات الإطلاق يجعل استخدامها بكثافة أمراً شبه مستحيل. لذلك انخفض معدل إطلاق الصواريخ الباليستية بشكل دراماتيكي، إذ تشير التقديرات إلى أن وتيرة الإطلاق الحالية أقل بنسبة تتراوح بين 83 و92 بالمئة مقارنة بالأيام الأولى من الحرب.
لكن الحرب لا تتوقف عندما تتراجع الصواريخ. هنا يظهر السلاح الذي راهنت عليه طهران منذ سنوات: الطائرات المسيرة. فقبل الحرب كان البرنامج الإيراني لإنتاج المسيرات، وخاصة طائرات "شاهد" الانتحارية أحادية الاتجاه، يعمل بوتيرة صناعية ضخمة. بعض التقديرات الغربية تشير إلى أن القدرة الإنتاجية لبعض الأنواع تجاوزت 10000 طائرة مسيرة سنوياً، مع إمكانية إنتاج آلاف إضافية عند الضرورة.
خلال هذه الحرب أطلقت إيران أكثر من 2000 مسيرة في موجات متتابعة هدفت إلى إرباك الدفاعات الجوية. هذه الموجات، التي يصفها العسكريون بتكتيك "الإشباع"، تعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من المسيرات الرخيصة لإجبار الدفاعات على استهلاك صواريخها الاعتراضية الباهظة الثمن. ولهذا السبب تحولت الحرب تدريجياً من ما يشبه "مطر الصواريخ" إلى ما يمكن وصفه بعواصف المسيرات.
مع ذلك لم تسلم هذه المنظومة أيضاً من الاستهداف. الضربات الجوية استهدفت عدداً من مصانع إنتاج المسيرات ومراكز التجميع ومخازن المحركات والإلكترونيات، وهو ما أدى إلى تراجع واضح في وتيرة إطلاقها. بعض التقديرات تشير إلى أن معدل الهجمات بالمسيرات انخفض هو الآخر بنسبة تفوق 80 بالمئة مقارنة ببداية الحملة، بالرغم من أن المخزون المتبقي لا يزال يعد كبيراً نسبياً.
المصادر الغربية التي تتابع هذا الملف تقول إن إيران ربما بدأت الحرب بمخزون يقارب 10000 مسيرة من مختلف الأنواع، إضافة إلى خطوط إنتاج قادرة على تعويض جزء من الخسائر. لذلك لا يزال هذا السلاح يمثل الورقة الأطول نفساً في الترسانة الإيرانية، خاصة أنه أقل كلفة بكثير من الصواريخ الباليستية وأسهل في النقل والإخفاء.
لكن الصورة الكاملة لا تقرأ من الأرقام وحدها. فالحرب استهدفت أيضاً البنية التحتية التي تسمح لهذه الترسانة بالعمل: مراكز القيادة، مستودعات الوقود الصاروخي، مواقع التخزين، وشبكات النقل التي تنقل الصواريخ من المصانع إلى قواعد الإطلاق. ومع استمرار الضربات الجوية التي تقول مصادر عسكرية إنها تتمتع بتفوق شبه كامل في السماء الإيرانية، فإن القدرة الهجومية لطهران تتآكل تدريجياً حتى لو بقي جزء من المخزون سليماً.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية في حسابات الحرب. فالمعلومات التي تتحدث عن الاستنزاف السريع للترسانة الإيرانية تصدر في معظمها من مصادر أميركية وإسرائيلية مثل مراكز أبحاث JINSA ومعهد دراسة الحرب وتقارير معهد Alma، إضافة إلى تقديرات الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية. في المقابل يصر النظام الإيراني في خطاباته الداخلية على أنه ما زال يمتلك القدرة على مواصلة الحرب لأشهر، وربما أكثر، دون أن يقدم أرقاماً أو تفاصيل تدعم هذا الادعاء.
الحقيقة، كما يقول بعض الخبراء العسكريين، تقع غالباً بين الروايتين. إيران لم تفقد قدرتها الهجومية بالكامل، لكنها لم تعد قادرة على خوض حرب الصدمات الصاروخية الكثيفة التي راهنت عليها في بداية المواجهة. ما بقي لديها يكفي لإطالة أمد الحرب وإبقاء التوتر في المنطقة، لكنه لم يعد كافياً لتغيير ميزانها بشكل حاسم.
لهذا السبب أصبحت مسألة المخزون المتبقي من الصواريخ والمسيرات أحد أهم العوامل التي تراقبها غرف العمليات وصناع القرار على جانبي الصراع. فكل صاروخ يطلق وكل مخزن يدمر وكل منصة تقصف يغير الحسابات السياسية والعسكرية معاً. وفي الحروب الحديثة، كما يعرف الجنرالات جيداً، لا تنتصر الجيوش دائماً بضربة واحدة، بل بانهيار تدريجي في قدرة الخصم على الاستمرار.
وفي مكان ما خلف الأبواب المغلقة في طهران وواشنطن وتل أبيب يجلس محللون عسكريون أمام شاشات مليئة بالأرقام والصور الفضائية يحاولون الإجابة عن السؤال نفسه: كم بقي في جعبة إيران فعلاً؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون المفتاح الذي يحدد ما إذا كانت الحرب ستطول أم تقترب من لحظتها الحاسمة.
في النهاية يتضح أن ترسانة إيران، بالرغم من ما تبقى منها، لم تعد كما كانت. الضربات المستمرة تستنزفها يوماً بعد يوم، ومع تراجع منصات الإطلاق وتآكل البنية العسكرية تتحول القوة التي كانت ترهب المنطقة إلى قدرة دفاعية متعبة تتآكل تحت ضغط السماء المسيطر عليها.


