: آخر تحديث
مفارقة ترامب:

هل تكون الحرب على إيران بوابة غير متوقعة للدولة الفلسطينية؟

3
2
3

قراءة في سيناريو معكوس؛ "ماذا لو كان دونالد ترامب، الرجل الذي نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعترف بضم الجولان، هو نفسه من سيعلن قيام الدولة الفلسطينية من على منصة الأمم المتحدة؟".

هذا السؤال ليس استفزازاً مجانياً، ولا هو تمني سياسي. إنه محاولة لتفكيك "مفارقة" قد تكون الأغرب في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي: هل يمكن لحرب واسعة على إيران أن تخلق الظروف ذاتها التي تؤدي إلى سلام غير متوقع؟

ما سنطرحه في هذا المقال ليس توقعاً لأحداث مستقبلية، بل هو تمرين فكري في سيناريو معكوس: فبدلاً من أن تكون الحرب عقبة إضافية في طريق السلام، قد تكون، في قراءة مختلفة، البوابة الأخيرة لإنهاء الصراع.

إعادة تعريف العائق: تحييد الخصم لمواجهة الحليف
في الرؤية الأميركية المحتملة، خاصة في عهد ترامب، تمثل إيران "عنصر عدم استقرار دائم" يعطل أي مشروع سلام إقليمي. لكن التحليل الأكثر عمقاً يظهر أن العائق ليس أحادياً. فسياسات إسرائيل، بحكومتها اليمينية وتوسعها الاستيطاني، ورؤيتها التوراتية لإسرائيل الكبرى، تمثل عقبة موضوعية لا تقل أهمية على الأرض. طالما يستمر الزحف الاستيطاني في التهام الأرض الفلسطينية، وتستمر إسرائيل في الاعتداء على الجميع وفي كل مكان دون رادع، يظل الحديث عن حل الدولتين والسلام في الشرق الأوسط مجرد سراب.

من هنا، فإن الحرب على إيران، في هذا السيناريو الافتراضي، تهدف إلى تطهير الساحة من المؤثرات الخارجية التي تغذي خطاب المقاومة ومحورها. لكنها وحدها غير كافية. فالتطهير العسكري لإيران يجب أن يعقبه ضغط سياسي هائل على تل أبيب. وهنا تكمن المفارقة: تحييد الخصم (إيران) قد يكون مجرد مقدمة لمواجهة الحليف (إسرائيل) وإجباره على تقديم تنازلات.

فخ ترامب لنتنياهو: من مانح الأمن إلى صانع السلام
هنا تبرز الذروة في هذا السيناريو المعكوس. بعد أن يقدم ترامب لإسرائيل "أمنها المطلق" عبر تدمير التهديد الإيراني، سيكون قد بنى لنفسه رصيداً سياسياً هائلاً لدى الداخل الإسرائيلي. في تلك اللحظة، سيكون في موقف قوة غير مسبوق لممارسة الضغط.

المفارقة الأكبر هي أن نتنياهو أو أي خليفة له قد يجد نفسه في "فخ ترامب". فبعد الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي ستتكبدها إسرائيل في حرب واسعة النطاق، وبعد استنزاف مواردها الاقتصادية والعسكرية، ستكون في أضعف موقف لها منذ عقود. وهي في هذه الحالة لن تكون قادرة على رفض مبادرة سلام يطرحها الرئيس الذي يعتبره الرأي العام الإسرائيلي "المنقذ".

يمكن تخيل خطاب ترامب لنتنياهو بعد الحرب: "لقد أعطيتك الأمن الذي حلمت به. دفعت إسرائيل ثمناً باهظاً. والآن حان وقت السلام الحقيقي. أعطني الدولة الفلسطينية، ولنجعل من الشرق الأوسط منطقة استقرار، ولنخلد أسماءنا في التاريخ."

هذه ليست سابقة تاريخية غريبة. ففي أزمة السويس عام 1956، استخدم الرئيس أيزنهاور القوة الاقتصادية والسياسية لفرض الانسحاب على بريطانيا وفرنسا، حليفيه اللدودين، لأن استمرار العدوان كان يهدد المصالح الأميركية العليا ويخدم الاتحاد السوفيتي.

تحييد اللوبي: معركة ترامب الأصعب
ترامب، بصفته براغماتياً، يدرك أن المشهد السياسي في واشنطن يشهد تحولاً كبيراً. الرأي العام الأميركي، خاصة بين الشباب والنخب الأكاديمية، يتجه نحو موقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. حرب غزة الأخيرة كشفت عن عمق هذا التحول، وهذا ما كشفت عنه مؤسسة غالوب مؤخراً حيث أظهرت استطلاعاتها تراجعاً غير مسبوق في تأييد إسرائيل بين الديمقراطيين والشباب.

لكن السؤال الجوهري: هل يمكن لأي رئيس أميركي، حتى ترامب، أن يكسر قبضة "اللوبي" الموالي لإسرائيل؟

لفهم التحدي، يجب تفكيك مصادر قوة هذا اللوبي التي تمتد لعقود:

أولاً: القوة المالية
اللوبي قادر على تمويل الحملات الانتخابية لأعضاء الكونغرس من كلا الحزبين، مما يخلق شبكة التزامات واسعة لا يمكن تجاهلها. منظمات مثل "إيباك" (AIPAC) تدير ميزانيات ضخمة لدعم المرشحين الموالين لإسرائيل ومعاقبة المنتقدين.

ثانياً: القوة الإعلامية والثقافية
هيمنة الرواية المؤيدة لإسرائيل في وسائل الإعلام الرئيسية، وفي هوليوود، وفي مراكز الأبحاث (Think Tanks) التي تصوغ السياسات. أي صوت ناقد يتم تهميشه أو اتهامه بمعاداة السامية.

ثالثاً: القوة الحزبية
تحول دعم إسرائيل إلى "عقيدة مقدسة" في الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً. أي مسؤول يخرج عن هذا الإجماع يدفع ثمناً سياسياً باهظاً، وقد تم تدمير مسيرة سياسيين كثر لمجرد انتقادهم سياسات إسرائيل.

رابعاً: القوة التنظيمية
شبكات واسعة من المنظمات اليهودية الأميركية النافذة تخترق مراكز القرار في الإدارة الأميركية ومؤسساتها، وتعمل على مدار الساعة لضمان استمرار الدعم غير المشروط.

قد يرى ترامب في اللحظة التي تعقب الحرب فرصته التاريخية لتحرير السياسة الخارجية الأميركية من هذه القبضة. بعد أن يقدم "الخدمة الكبرى" بتدمير التهديد الإيراني، يستطيع أن يقول لهذا اللوبي: "لقد أعطيتكم أقصى ما يمكن أن تطلبوه. لقد جعلت إسرائيل آمنة أكثر من أي وقت مضى. الآن، السياسة الخارجية تعود للأميركيين، وأنا من يقرر كيف ومتى يصنع السلام. هل ستعارضون سلاماً يضمن بقاء إسرائيل؟"

لكن نجاحه مرهون بقدرته على تعبئة تحول الرأي العام وتحويله إلى ضغط فعلي على الكونغرس. وهي مهمة قد تكون أصعب من الحرب نفسها، فاللوبي ليس خصماً عسكرياً يمكن قصفه، بل شبكة مصالح متجذرة في نسيج النظام السياسي الأميركي.

العامل الإقليمي: من غطاء للحرب إلى ضامن للسلام
هنا تدخل مجموعة الدول التي راهنت على خطة ترامب للسلام ذات العشرين نقطة، والتي تضم 5 دول عربية (السعودية، مصر، الأردن، قطر، الإمارات) و3 دول إسلامية (باكستان، إندونيسيا، تركيا). وجود دول وازنة مثل السعودية ومصر وتركيا يمنح هذه المجموعة شرعية وثقلاً هائلين.

في سيناريو ما بعد الحرب، يمكن لهذه الدول أن تتحول من مجرد داعم لخطة أميركية إلى ضامن رئيسي لأي تسوية عادلة:

1. الضغط السياسي: راهنت هذه الدول على خطة ترامب، وستكون في موقع قوة للمطالبة بتنفيذ الجانب الفلسطيني منها. السعودية ومصر والأردن تحديداً لديها خطوط حمراء واضحة تجاه الحقوق الفلسطينية.

2. الضمان الأمني: مصر والأردن، بصفتهما دولتين حدوديتين مع إسرائيل وفلسطين، ضروريتان لأي ترتيبات أمنية مستقبلية. تركيبهما الجغرافي والسياسي يجعلهما حجر الزاوية في أي استقرار إقليمي.

3. الاستثمار وإعادة الإعمار: قطر والإمارات والسعودية تمتلك القدرات المالية الهائلة اللازمة لإعادة إعمار فلسطين ودفع عجلة التنمية فيها، مما يجعل الدولة الفلسطينية المنشودة قابلة للحياة اقتصادياً.

هذه الدول ليست أدوات في يد ترامب، بل هي فاعل رئيسي. إذا التزم ترامب بوعده بتحقيق سلام عادل، فسيجد فيها حلفاء أقوياء. أما إذا حاول الالتفاف على الحقوق الفلسطينية الأساسية، فسيخسر هذا الغطاء الإقليمي الثمين.

إيران ما بعد الحرب: سيناريوهات محتملة
يبقى السؤال الأكبر: ما الذي سيحدث في إيران بعد الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير أي مشروع سلام لاحق:

السيناريو الأول: الانهيار والفوضى – إذا أدت الحرب إلى انهيار الدولة الإيرانية كما حدث في العراق بعد 2003، فستواجه المنطقة فوضى عارمة قد تطغى على أي مشروع سلام، وتصبح الدولة الفلسطينية قضية ثانوية أمام تهديد وجودي أكبر.

السيناريو الثاني: الانشغال الداخلي – إذا خرجت إيران منهكة لكن موحدة، فقد تنشغل بمعالجة أوضاعها الداخلية لعقود، مما يفتح المجال أمام تحولات إقليمية كبرى، ويتحقق هدف "تطهير الساحة".

السيناريو الثالث: إيران انتقامية – إذا خرجت إيران مع احتفاظها بقدرات وكلائها (حزب الله، الحوثيون، الميليشيات في العراق)، فقد تستخدمهم لزعزعة استقرار المنطقة وتعطيل أي مشاريع سلام.

خريطة طريق غير تقليدية
2025-2026: تحييد التهديد الإيراني، مع تكبد إسرائيل ثمناً باهظاً.
2027: مؤتمر سلام برعاية أميركية-عربية-إسلامية، بمشاركة الدول الثماني، يطرح مشروع دولة فلسطينية مع ضمانات أمنية.
2028: الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية كإنجاز تاريخي.

خاتمة: هل من الممكن أن يحدث غير المتوقع؟
قد تبدو هذه الأفكار أقرب إلى الخيال السياسي، بل وقد يراها البعض استفزازية. لكن المثير للتفكير أن قطاعات واسعة من أقصى اليمين الإسرائيلي وأقصى اليسار الفلسطيني تتفق على استحالة أن يكون ترامب صانع سلام. فماذا لو كان هذا الإجماع نفسه هو ما يجعل السيناريو المعاكس ممكناً؟

في النهاية، يبقى هذا المقال مجرد "تمرين فكري" و"مادة للنقاش"، فهو يقدم سيناريو يظل بعيداً عن أن يكون واقعياً إذا طبقنا عليه قوانين السياسة الواقعية (Realpolitik) بدلاً من قوانين الدراما والمفاجآت.

ما يزيد من تعقيد المشهد أن اللوبي الموالي لإسرائيل يمتلك أدوات يصعب كسرها، وأن مستقبل إيران الأكثر ترجيحاً قد يكون الفوضى أو الانتقام. في الشرق الأوسط، غالباً ما يحدث غير المتوقع، لكنه نادراً ما يحدث بهذه البساطة. تبقى هذه القراءة مجرد تأمل في احتمالات بديلة، والأيام وحدها كفيلة بكشف المفاجآت الحقيقية التي تخبئها المنطقة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.