: آخر تحديث

تحوّلات الخطاب الانفصالي في قلب المؤسسات الأوروبية

2
1
2

برزت في الأشهر الأخيرة قضية منطقة القبايل في الجزائر بوصفها إحدى أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل الدوائر السياسية الأوروبية. ولم يعد الحديث عن حق تقرير المصير في هذه المنطقة مقتصراً على المنابر الإعلامية أو النخب الأكاديمية، بل انتقل إلى فضاءات القرار السياسي داخل المؤسسات الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها البرلمان الأوروبي.

ففي 11 آذار (مارس) 2026 احتضن البرلمان الأوروبي نقاشاً سياسياً حول وضع الحريات والحقوق الثقافية والدينية للأقليات في الجزائر، وهو نقاش نظم بمبادرة من النائب الأوروبي الفرنسي نيكولا باي. غير أن هذا اللقاء لم يكن مجرد جلسة عابرة حول أوضاع الأقليات، بل تحول إلى منصة أوروبية جديدة لطرح قضية القبايل باعتبارها قضية سياسية تتجاوز حدود الجزائر نحو الفضاء الدولي.

لقد حضر في هذا النقاش عدد من الشخصيات الأكاديمية والحقوقية المتعاطفة مع قضية القبايل، من بينها المؤرخة السويسرية شارلوت تيتي، المتخصصة في تاريخ الأقليات الدينية في شمال إفريقيا، وكذلك عدد من النشطاء المرتبطين بالدفاع عن حقوق الإنسان في المنطقة. لكن الأهم من ذلك أن الحدث منح حضوراً سياسياً واضحاً لحركة تقرير مصير القبايل (MAC) التي يقودها المناضل القبائلي فرحات مهني.

إنَّ هذا التحول ليس تفصيلاً عابراً في مسار الحركة القبايلية، بل يمثل منعطفاً استراتيجياً في مسار تدويل القضية. فحين تنتقل مطالب حركة سياسية من الهامش المحلي إلى قاعات النقاش داخل المؤسسات الأوروبية، فإن ذلك يعني أن القضية بدأت تخرج من إطارها الداخلي لتصبح موضوعاً للنقاش في العلاقات الدولية.

تاريخياً، لم تكن منطقة القبايل مجرد إقليم جغرافي داخل الجزائر، بل كانت فضاءً ثقافياً ولغوياً مميزاً حافظ على خصوصيته عبر قرون طويلة. فاللغة الأمازيغية القبايلية، والتقاليد الاجتماعية، والذاكرة التاريخية للمنطقة، كلها عناصر صنعت هوية متمايزة داخل الفضاء الجزائري.

لكن هذه الخصوصية لم تجد دائماً اعترافاً سياسياً كافياً داخل الدولة الجزائرية الحديثة. فمنذ الاستقلال عام 1962، قامت الدولة المركزية على نموذج سياسي شديد المركزية، وهو نموذج لم يترك مساحة كبيرة لتعدد الهويات داخل الدولة.

وفي هذا السياق ظهرت حركة المطالبة بالحكم الذاتي في القبايل قبل أن تتطور لاحقاً إلى حركة تطالب بالاستقلال الكامل. ومع مرور السنوات، تحولت هذه المطالب إلى خطاب سياسي متكامل تبنته حركة MAC التي تأسست في المنفى بقيادة فرحات مهني.

اللافت للنظر في السنوات الأخيرة أن الحركة القبايلية بدأت تنجح في كسر جدار العزلة الدولية الذي كان يحيط بها. فبعد عقود من التهميش السياسي، تمكنت الحركة من الوصول إلى منصات دولية مؤثرة.

ففي أواخر سنة 2025، استضاف البرلمان البريطاني لقاءً خاصاً حول قضية القبايل، بمشاركة مراكز بحثية دولية ومؤسسات ضغط سياسية في لندن. وكان ذلك أول مؤشر على أن الملف القبايلي بدأ يثير اهتماماً متزايداً في الأوساط السياسية الغربية.

واليوم، مع انتقال النقاش إلى البرلمان الأوروبي، يتأكد أن الحركة القبايلية نجحت في فتح قنوات حوار مع عدد من القوى السياسية الأوروبية، بما في ذلك شخصيات تنتمي إلى التيار المحافظ أو اليميني في أوروبا مثل إريك زمور وماريون مارشال، وهما شخصيتان معروفتان بتأثيرهما داخل المشهد السياسي الفرنسي.

ورغم الجدل الذي يثيره هذا التقارب، فإن الواقع السياسي الدولي يثبت أن الحركات القومية الصغيرة غالباً ما تجد دعمها الأول في شبكات سياسية غير متوقعة. فالتاريخ المعاصر مليء بأمثلة حركات تحرر قومي بدأت من هامش الجغرافيا السياسية قبل أن تتحول إلى دول معترف بها.

المفارقة الكبرى في صعود قضية القبايل تكمن في الطريقة التي تعامل بها النظام الجزائري مع الحركة القبايلية. فبدلاً من فتح حوار سياسي حول مطالب المنطقة، اختارت السلطة الجزائرية مقاربة أمنية صارمة.

وقد أدى تصنيف حركة MAC كمنظمة إرهابية إلى نتيجة عكسية تماماً. فبدلاً من إضعاف الحركة، فقد ساهم هذا القرار في تسليط الضوء الدولي عليها. وفي عالم السياسة الدولية، كثيراً ما تتحول الحركات المصنفة محلياً كتهديد أمني إلى قضايا حقوقية في الخارج.

لقد أدى اعتقال مئات الأشخاص بتهم مرتبطة بالتعاطف مع الحركة إلى إثارة انتقادات منظمات حقوق الإنسان، وهو ما منح الحركة القبايلية فرصة لتقديم نفسها بوصفها حركة تسعى إلى الدفاع عن الحقوق الثقافية والسياسية لشعب القبايل.

من الناحية الاستراتيجية، استطاعت الحركة القبايلية استخدام خطاب الدفاع عن الأقليات بوصفه مدخلاً للشرعية الدولية. ففي النقاش الأوروبي الأخير، تم ربط قضية القبايل بموضوع أوسع يتعلق بحماية الأقليات الدينية والثقافية في الجزائر.

وهذا الربط يمنح القضية القبايلية بعداً عالمياً، لأن الدفاع عن الأقليات يشكل أحد المحاور الأساسية في السياسة الخارجية الأوروبية.

وبذلك تحاول الحركة القبايلية تقديم مشروعها السياسي ليس باعتباره نزعة انفصالية ضيقة، بل باعتباره امتداداً لمبدأ عالمي هو حق الأقليات في تقرير مصيرها.

قد يبدو الحديث عن استقلال القبايل اليوم فكرة بعيدة التحقيق، لكن التاريخ يعلمنا أن كثيراً من الدول الحالية بدأت كأفكار مستحيلة. فدول مثل سلوفينيا أو تيمور الشرقية أو كوسوفو كانت يوماً مجرد مطالب سياسية هامشية قبل أن تتحول إلى كيانات سياسية معترف بها.

وما يجري اليوم في البرلمان الأوروبي أو البرلمان البريطاني يشير إلى أن القضية القبايلية بدأت تجد لها صدى في الدبلوماسية الدولية. وربما لا يعني ذلك أن الاستقلال بات قريباً، لكنه يعني أن الفكرة خرجت من دائرة المحظور السياسي.

لقد دخلت هذه القضية مرحلة جديدة عنوانها التدويل السياسي. ومع كل نقاش يفتح في مؤسسة دولية، تزداد فرص الحركة في فرض وجودها على الخريطة السياسية العالمية.

وفي عالم تحكمه التحولات السريعة، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت القبايل ستصبح دولة مستقلة في عقر الجزائر، بل متى سيصبح هذا السؤال نفسه جزءاً من النقاش الرسمي داخل المجتمع الدولي.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.