: آخر تحديث

رمضان.. حين يعود القلب إلى نفسه

3
1
3

سارا القرني

يأتي رمضان كل عام وكأنه موعد سري بين الإنسان ونفسه. ليس مجرد شهرٍ للصيام عن الطعام والشراب، بل موسمٌ للتأمل، والمراجعة، وإعادة ترتيب الفوضى الداخلية التي تتراكم فينا طوال العام. في زحام الأيام وتسارعها، ننسى أحيانًا أن أرواحنا تحتاج إلى استراحة، وأن قلوبنا تحتاج إلى تنظيف من ضجيج العالم، فيأتي رمضان ليعيدنا برفق إلى الداخل.

في رمضان، يتغيَّر إيقاع الحياة. تستيقظ المدن على سكونٍ مختلف، وتمتلئ المساجد بخشوعٍ لا يشبه سواه. حتى الهواء يبدو أخفَّ، وكأن الرحمة تسير فيه بخطى هادئة. هو شهر يذكِّرنا بأن الإنسان ليس جسدًا فقط، بل روحٌ تتوق إلى الصفاء، وقلبٌ يحنُّ إلى الطمأنينة.

الصيام في جوهره ليس امتناعًا، بل ارتقاء. حين يجوع الجسد، تصحو الروح. حين نعطش، نتذكَّر نعم الله التي اعتدناها حتى كدنا نغفل عنها. ندرك معنى الفقد ولو لساعات، فنشعر بمعاناة المحتاجين، ونتعلَّم أن الشكر ليس كلمة تُقال، بل إحساسٌ يُعاش.

رمضان أيضًا مدرسة أخلاق. فيه نتدرَّب على الصبر، وكظم الغيظ، وضبط اللسان. نتعلَّم أن الصيام الحقيقي هو صيام القلب عن الحقد، وصيام العين عن النظر إلى ما لا يليق، وصيام اللسان عن الأذى. هو تدريب عملي على أن نكون أفضل، لا لأن أحدًا يراقبنا، بل لأن الله يعلم ما في الصدور.

وفي لياليه، حيث السكون يلفُّ العالم، تقف الأرواح على أبواب السماء. في صلاة التراويح، وفي لحظات الدعاء، يشعر الإنسان بقربٍ خاص، كأنه يتحدث بلا حواجز، بلا أقنعة، بلا تكلُّف. تبكي القلوب قبل العيون، وتُقال الكلمات التي طالما عجزنا عن قولها.

رمضان شهر العائلة أيضًا. مائدة الإفطار تجمع القلوب قبل أن تجمع الأطباق. تتبادل الأيدي التمر والماء، وتتعانق الدعوات الصادقة في اللحظة الأولى بعد الأذان. في تلك اللحظة، ندرك أن البركة ليست في كثرة الطعام، بل في اجتماع الأحبة، وفي الامتنان لما بين أيدينا.

ومع مرور الأيام، نشعر أن رمضان يعيد تشكيلنا. نصبح أكثر هدوءًا، أكثر تسامحًا، وأكثر وعيًا بذواتنا. كأن هذا الشهر يمنحنا فرصة ثانية لنبدأ من جديد، لنعتذر، لنصفح، لنصل ما انقطع، ولنغلق أبوابًا أنهكت أرواحنا طويلًا.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في أن نعيش رمضان كما ينبغي، بل في أن نحمل أثره معنا بعد أن ينتهي. أن يبقى فينا شيءٌ من صفائه، وشيءٌ من نوره، وشيءٌ من صدقه. أن يتحول من موسم عابر إلى أسلوب حياة.

رمضان ليس شهرًا في التقويم فقط، بل حالة روحية عميقة. هو لحظة صدق بين العبد وربه، وفرصة للعودة إلى الفطرة النقية التي خُلقنا عليها. وفي كل عام، حين يهلُّ الهلال، نشعر أن بابًا من الرحمة قد فُتح، وأن القلب مدعوٌّ لأن يدخل.

فيا رمضان، كن فينا بداية لا نهاية، وتحولًا لا ذكرى، ونورًا يبقى حتى بعد أن ينقضي الهلال.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد