: آخر تحديث

مشاعل.. مدرسة نموذجية في الترجمة

3
2
4


مع أول كتاب أقدمَت على ترجمته، «نظام التفاهة»، أدركتُ أنني أمام أستاذة جديرة بالاحترام والتقدير، حيث لم تسعَ إلى الجري وراء الشهرة، وبقيت في الظل تمارس عملها وأبحاثها.

عند قراءة كتاب نظام التفاهة، استوقفني ذلك الكمّ الهائل من الهوامش التي جادت بها، حيث أتت كمادة معرفية تفوق النص الأصلي، فالترجمة عندها ليست نقلا جامدا من دون شرح وتفصيل وتنقيب ومعاناة، فكلمة واحدة قد تأخذ منها جهدا ووقتا غير قليل.

أمامي كتاب «فن الحكمة الدنيوية» للمؤلف بالتزار غراسيان، أخذت أقرأ به فوجدت من خلاله في الأستاذة د. مشاعل الهاجري قدراتٍ معرفية لم تقع عيناي على أحد يشبهها. ثماني سنوات من العمل شبه اليومي وهي تملي وتصحّح وتبحث مع طلبتها بعد الانتهاء من محاضراتها في جامعة الكويت، من أجل إنجاز الكتاب في صورة معبّرة عن تبادل الجلوس على كرسي الأستاذ.

ومن منظوري كمتابع وباحث، أرى أن د. الهاجري في طريقها لتأسيس نموذج جديد في مدرسة الترجمة يرقى إلى أن يُعمّم على المستوى العربي وبفضاء المترجمين، فما أقدمت عليه من أعمال يتخطى حدود نيلها جائزة محلية، فهي بهذا المستوى والمعايير التي التزمت بها تكون قد وصلت إلى العالمية.

غراسيان، صاحب الكتاب الشهير، ترجم إلى كثير من لغات العالم، لكنه لم يحظَ بترجمة عربية مطبوعة ومنشورة، باستثناء ترجمة الكاتبة اللبنانية لمى فياض، وهي غير منشورة.

عمر الكتاب يزيد على الـ 400 سنة، ويحمل أفكاراً تتجاوز المرحلة التي ظهر فيها، يرسم صورة اجتماعية عن الذات أمام الآخرين، غراسيان رجل دين إسباني أحد أعلام الفكر الغربي الحديث، كاتب متأمل ومفكر، جمع بين المجالين الديني والدنيوي، احتوى الكتاب على 300 «حكمة» أو «شذرة»، ووصف بأنه مزيج غريب من الدهاء والسخرية والقيَم.

تعتبر د. مشاعل الهاجري أن الترجمة نشاط فكري ليس بالهيّن، وترى فيها حالة أكثر منها ممارسة، لذلك فالمترجمون أقرب إلى الجسور الحضارية. بعد أن قرأت الكتاب بخمس ترجمات، خطّت عشر قواعد سارت عليها وأوصلتها إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ «عقيدة الترجمة» الخاصة بها.

ومن واقع التجربة تدعو د. مشاعل كل مترجم إلى أن يضع لقرائه مقدمة للنص يعرض فيها خلفية الكتاب الذي اختار ترجمته والأسباب، ثم يبيّن منهجه في الترجمة. شعرتْ بالقلق من اختيارها لكتاب غراسيان «فن الحكمة الدنيوية»، لكونه أول ترجمة عربية مطبوعة، وتوسعت في الهوامش ما استطاعت، لكن في حدود المادة المترجمة، فالمترجم لا يعتمد على قدراته اللغوية فقط، بل على معارفه الثقافية أيضا، ليوفر للقارئ تجربة قراءة حقيقية تذهب إلى فهم النص والأفكار معا.

وبالرغم من الأرق والسهر الذي تتسبب به كلمة عصيّة، فإنها تؤمن بمقولة الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو: «ما يحدث في الترجمة عبارة عن تفاوض بين لغتين».

لم تجرؤ على الاعتراف بأنها مترجمة، وهذا يدل على تواضعها، بل هي قارئة تترجم بين الحين والآخر، ما تودّ إيصاله أن يطّلع القارئ على الكتاب، يستوعبه، ثم يسائله بفكر موضوعي ناقد، هكذا تقدّم انتسابها إلى عالم المترجمين الذين التحقت بهم، فهُم كما قيل «المترجمون محاربون يغزون برج بابل بجسارة».
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد