مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في وجدان الأمة معاني الصفاء والتجرد، ويعود الإنسان إلى ذاته الأولى، حيث تتقدم القيم الروحية على ضجيج الحياة اليومية، ويصبح الصيام لغةً مشتركةً بين القلوب، تتحدث بها دون كلمات.
رمضان ليس مجرد زمنٍ عابر، بل حالة إنسانية كاملة، يختبر فيها الإنسان قدرته على الانتصار لروحه، وعلى إعادة ترتيب أولوياته بين ما هو زائل وما هو باقٍ. وفي هذا الشهر الفضيل، تتبدل ملامح المدن، ويغدو الليل أكثر حياة، والمساجد أكثر قربًا من وجدان الناس، وتصبح الرحمة هي العنوان الأبرز لكل العلاقات الإنسانية.
وفي المملكة العربية السعودية، يحمل رمضان بعدًا مضاعفًا، لأنه يرتبط بشرف خدمة الحرمين الشريفين، تلك المسؤولية التاريخية التي جعلت هذه البلاد في قلب العالم الإسلامي، ووضعتها في موقع الريادة الروحية. وفي هذا السياق، جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود –حفظه الله– التي وجهها إلى المواطنين والمقيمين والمسلمين في أنحاء العالم بمناسبة حلول شهر رمضان لعام 1447هـ، مؤكدةً المعاني العميقة لهذا الشهر العظيم. فقد هنأ –أيده الله– الجميع بهذه المناسبة المباركة، سائلًا الله أن يعين المسلمين على الصيام والقيام، وأن يجعل هذا الشهر موسمًا للطاعة والتقرب إلى الله.
كما شدد الملك سلمان في كلمته، على ما خص الله به المملكة من شرف خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، مؤكدًا أن هذا النهج سيبقى ثابتًا كما كان عبر تاريخ هذه الدولة المباركة. وهذه الرسالة لا تعكس التزامًا دينيًا فقط، بل تجسد رؤية وطنٍ يدرك مكانته، ويواصل أداء دوره تجاه الإسلام والمسلمين، في ظل قيادة جعلت من خدمة الحرمين أولوية تتجاوز الحدود الجغرافية لتصل إلى عمق الوجدان الإسلامي.
ويأتي رمضان هذا العام، والعالم يمر بتحولات متسارعة، ليؤكد أن القيم الروحية تظل هي الركيزة الأكثر ثباتًا في زمن التغير، فهو شهر التراحم والتكافل، حيث تتجلى أسمى صور العطاء، ويشعر الإنسان بمسؤوليته تجاه الآخرين، خاصة أولئك الذين أنهكتهم الأزمات. وقد عبر خادم الحرمين الشريفين في كلمته عن دعائه بأن يديم الله الأمن والرخاء على المملكة، وأن ينعم على الأشقاء في فلسطين والأمة الإسلامية والعالم أجمع بالسلام والاستقرار، في رسالة تعكس عمق البعد الإنساني الذي تحمله المملكة في سياستها ومواقفها.
إن رمضان، في جوهره، هو فرصة للتجدد، ليس على المستوى الفردي فقط، بل على مستوى المجتمع بأسره، هو زمن تعود فيه البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، حيث تصبح القيم هي المرجع، والإنسان هو الغاية. وفي هذه الأيام المباركة، تتوحد القلوب في دعاء واحد، وتلتقي الآمال عند أفقٍ واحد، عنوانه الرحمة، ورسائله السلام، ووجهته المستقبل.

