الغيرة نوعان؛ غيرة محمودة (الغيرة على العرض والوطن مثل فلان يغار على زوجته وبناته)، وغيرة منبوذة مكروهة وهي الغيرة الحاسدة (فلان يغار من علان لنجاحه)، وهذه الصفة الأخيرة هي ما سوف استعرض أمثلتها هنا بناء على مشاهدات وخبرة حياة سواء الغيرة على المستوى الاجتماعي وهي خطيرة صحيا واجتماعيا لأنها ترتبط بالحسد والعين، أو الغيرة المهنية وهذه لا تقل خطرا بل تزيد، وأراها مما عايشت ضربا من الفساد.
الغيرة الاجتماعية الحاسدة بدأت منذ بدء الخليقة عندما غار قابيل من أخيه هابيل فقتله رغم أن هابيل رفض أن يبسط يده ليقتل قابيل، ومع ذلك لم يرحمه أو تشفع له سماحته وطيبته فقتله حسدا، وهذا دليل على قوة بأس الحاسد الحاقد عندما يغار من أحد، ولعل العامل الوراثي (الكروموزوم) الذي خلفه قابيل كان قويا جدا أو سائدا بكثرة فانتقلت صفة الغيرة الحاسدة إلى أجيال البشر فكثر من تحرق قلوبهم الغيرة من غيرهم وتتحول إلى حسد قاتل بعين أو لسان أو بيد إلا من رحم ربي.
والغيرة الحاسدة تقع في كل المجتمعات والأوساط والمستويات فهي مرض يصيب ولا يميز بين متعلم وجاهل ومثقف ومتخلف، ومن واقع خبرة تفوق 45 سنة وظيفية، وفي عدة جهات مختلفة فقد شهدت صورا من الغيرة الحاسدة بين أساتذة جامعات وكبار موظفين إداريين وأطباء وأطباء أسنان وصيادلة ومهندسين ومحاسبين وقانونيين وصحافيين، وقد وجدت أن أخطر أنواع الغيرة هي الغيرة المهنية وهي منتشرة بكثرة بين الأشباه في المهن، وهي مصنفة ومعروفة وكتبت عنها كثيرا وكتب عنها غيري أكثر، وهي تقع بين المتخصصين المتشابهين في المهنة والتخصص، وأصنفها أنها الأخطر لأن ضررها يكون عاما ولا يخص شخصا بعينه، فغيرة أساتذة الجامعات تضر بالطلاب ومستوى التعليم والعملية التعليمية، وغيرة الأطباء من بعضهم تؤثر على المريض والرعاية الصحية والإنجازات الطبية (أين ذهب تميزنا المذهل في زراعة الكبد؟!)، وغيرة الصيادلة تعصف بالرعاية الدوائية والمعلومة الدوائية وربما بتوفر الدواء بل قد تعصف بالأمن الدوائي برمته، وكذا بقية المهن، فليس أخطر من الغيرة المهنية على المجتمعات، لذا أرى ضرورة مراقبة نتائجها بحذر ومحاسبة كل من يتبع هواه للإضرار بمصلحة اجتماعية لمجرد أنه يغار من زميل يقوم بعمل ناجح.
لقد شهدنا في بعض المؤسسات سابقا صورا غريبة عجيبة من نتائج الغيرة المهنية وصلت حد إلغاء زميل لإنجازات سلفه وإيقاف خدمات وهدم منجزات جبارة لمجرد أن من أنجزها زميل مهني لا يريد أن تذكر له كإنجاز حسدا وغيرة مهنية أدت إلى خسائر مادية وإضرار بمرضى ومستفيدين، وأتمنى أن تتم مراجعة ورصد هذه السلوكيات لأنها ضرب من ضروب الفساد.

