علي الخزيم
الفوائد الصحية الجَمَّة كثمرة لمشروعية الصيام؛ حتى الصيام التطوعي والصحي الطبي لا تقارن بحال من الأحوال بما يحصل للبعض من مشقة أثناء صوم الشهر الكريم؛ وكذلك لمن يصوم طلبًا للصحة والعافية بغير رمضان مَن المسلمين وخلافهم، ولهذا كان الإجماع على أهمية وفوائد الصيام بين أطباء وعلماء المسلمين؛ وغيرهم مِن علماء لا يلتفتون إلَّا للمضامين العلمية دون غيرها، غير أن ما يهمنا من علم هؤلاء قناعتهم التامة بأننا نحن المسلمين نسير على هَدي نبينا محمد -عليه أفضل الصلاة والتسليم- وأننا على شريعة من الحق بأمر إلهي عظيم؛ ولسنا مفتقرين إلى أي شهادة منهم تعزز نهجنا وإيماننا، إلَّا أننا نؤمن بمعطيات وحقائق العلم الحديث المؤكِدَة لما جاءت به الشريعة الإسلامية السمحة.
الدراسات والبحوث العلمية الحديثة المتلاحقة منذ عقود تثبت بأدلة قاطعة ما للصوم من فوائد وقِيم صحية عالية وغاية بالدقة ما يبرهن بجلاء على النهج الإسلامي القويم وما تقدمه الشريعة الإسلامية من طرائق وحكمة إلهية ليست من ابتداع البشر؛ إنما هي وحي من لدن حكيم خبير لرُسِله عليهم السلام؛ فالصوم قد اتبعته الشرائع من قبلنا ما يدل على عظم الفوائد المترتبة عليه حتى لو كان لغرض طبي وصحي بَحْت، وفي السيرة النبوية المطهرة: صوموا تصحوا؛ بتوجيه لطيف لفهم مضار ملء البطون بأصناف الأطعمة، وكما قال طبيب العرب الحارث بن كَلَدَة الثّقفي: المعدة بيت الداء، ولقول بعض الحكماء: الدواء الذي لا داء معه ألَّا تأكل الطعام حتى تشتهيه وأن ترفع يدك عنه وأنت ما زلت تبغيه!
ولأن الإنسان يكون غالبًا أسيرًا لشهواته ورغباته فقد جاءت فريضة الصوم وحكمته لكبح تلك الشهوات من الاندفاع نحو الطعام؛ أو شهوات النفس الأمارة بالسوء ومِن وسوسات الشياطين، ومع تعاقب القرون والأجيال تتبيّن تَدَرّجًا هذه الحكمة الإلهية من فوائد الصوم متعددة الجوانب.
فعلم الطب يؤكد نَجَاعة الصيام لعلاج الكثير من الحالات المَرضية والاستشفائية وربما كان هو السّبب الأوحد لعلاج أمراض عجز عنها الطب بالأدوية؛ لذلك فإن الصوم حاسم جدًا بتخليص جسم الإنسان من السموم كافة إلى جانب دفع الجسم لاستهلاك الدهون المتراكمة الزائدة، وتخليصه مِن مادة (الكوليسترول) الضار؛ وتقليص مقاومة (الأنسولين) لمرضى سكر الدَّم؛ وفوائد لا حصر لها غير أن المقصود التذكير بأهمية الصوم حِكمة وهِبَة إلهية يجب مقابلتها بالشكر والامتنان لله سبحانه.
وحين نتأمل حث رسولنا الكريم -عليه الصلاة والسلام- على تناول وجبة السَّحُور؛ ونتابع مخرجات العلم الحديث عنها وأهميتها للصائم لانتابنا العجب وزيادة الاعتزاز والتمسك بديننا الحنيف الذي ينشد لنا كل خير ويُقصِينا عن كل الآثام والشرور، ومع أن للسحور دور فعال لتروية الجسم وتقويته إلَّا أن للصوم -كما يقول العلم الحديث- آثاره الرائعة فِيمَا يتعلق بشحن الدماغ بالطاقة الإيجابية المُثلَى ولنمو وتنشيط خلايا دماغية متجددة تزيد تأهيله لاستيعاب كَمّ هائل من المعلومات المفيدة وتخزينها بالذاكرة ولتحسين التعلم، إضافة إلى دفع أدمغة الصائمين لتحمّل الإجهاد والمتغيرات المحيطة ومن ثَم تعزيز توافر السعادة والانشراح العام.

