محمد سليمان العنقري
كثيراً ما يتم تناول مفهوم ودور الإعلام في المجتمعات العربية وتختلف الآراء وتتباين حتى في مفهومه، أما دوره فهو مشبع بالتنظير أكثر من العمل المتقدم الذي يفترض أن يتماشى مع عصر التكنولوجيا وانتشار العلم بين الشعوب العربية وقدرتهم على النقد الموضوعي للمحتوى الإعلامي؛ فثورة الاتصالات والتي فتحت الباب واسعاً لتغيير جذري بعالم الاتصال والذي يعني بالضرورة الإعلام لأنه جزء من هذا المفهوم الواسع للاتصال بالمجتمعات والتي أدت لأن تكون الجماهير ناشطة إعلامياً وتستطيع أن تنشر وتعلق وتبدي الرأي في كل ما يحبط بها أو يعد من اهتماماتها بكل المجالات. فلقد أصبح مصطلح شاهد عيان حاضراً في نقل الأحداث بعد أن كان مقتصراً على المراسلين أو وجود مكاتب لوسائل الإعلام بمختلف أنواعها من صحف ووكالات أنباء أو إذاعات أو محطات تلفزيونية؛ فهناك مناطق في العالم لا تغطيها تلك الوسائل، فبدأت تنقل ما يبثه أفراد من خلال تواجدهم بتلك الأماكن لحظة وفوع الحدث دون تبني لما ينشر مع اضافة تعليق « نقلاً عن شهود عيان» وأنهم لم يتحققوا من دقة المعلومة لكنهم يضطرون للنشر بهذه الطريقة حتى يكونوا مواكبين لأي حدث فالخبر هو صناعة وبضاعة وسائل الاعلام المرئية والمسموعة، أما التحليل والرأي فيأتي لاحقاً لنشر الخبر باستثناء الصحافة التي أصبحت صحافة الرأي وليس الخبر فوسائل التواصل باتت أسرع من أي وسيلة في نشر الأحداث والأخبار بينما تنتظر الجماهير إيضاحا أكبر لآثار تلك الأحداث وتداعياتها أو منافعها.
وحتى هذا الجانب المهم أصبح هناك من يضعون التحليلات بوسائل التواصل قبل وسائل الاعلام التقليدية، وبات مصطلح محلل في «x» واقعاً وليس استثناءً فالفضاء الاعلامي مثل الأسواق المركزية تدخلها فتجد عددا هائلا من المتاجر وتتنقل بينها حتى تجد البضاعة التي تنال إعجابك بحسب اهتمامك، وهذا هو المحتوى الإعلامي بكل بساطة.
لكن، هل تطور وسائل التواصل الاجتماعي او قدرة الفرد على البث من جهازه الذكي او طرح تحليل عبر تلك الرسائل ينظر له من زاوية ضيقة بأنه فضاء فتح امام الجميع لكي يكونوا إعلاميين؟
في الحقيقة الإجابة عن هذا التطور أعمق بكثير مما ينظر له في عالمنا العربي دون استثناء على صعيد فهم الجهات المختصة في الإعلام سواء إكاديمياً او تنظيماً له فأي فرد يمكنه اليوم إنشاء قناة تلفزيونية خاصة به عبر اليوتيوب او اي وسيلة تواصل توفر له خاصية البث أما في منصات التواصل مثل «X» فيمكن لأي شخص أن يضع مقالاً او تحليلاً حول رأي ما في أي تخصص دون الحاجة لصحيفة او منصة إعلامية مرخصة وبدون تدقيق أو توقيت نشر أو رقيب يجيز ما كتب حول أي موضوع.
لذلك اصبح من الضروري إعادة تعريف الإعلام ومفهومه ووضع استراتيجيات له مختلفة عن السابق تماماً تعتمد إشراك الجماهبر في صناعة المحتوى الاعلامي من خلال دراسات اجتماعية ترصد اهتمامات الجماهير وإلى أي مستوى لديهم وعي ورأي في كل ما يخص مجتمعاتهم من خلال إعادة بناء لطرق تواصل وفهم أعمق للمجتمعات فقد أصبح رجع الصدى امراً اساسياً في عالم الاعلام، ويمكن لأي شخص ان ينقد رأي كاتب او وسيلة، بل إن كثيرا من التعليقات تنشر من متخصصين يتضح أنهم اكثر عمقاً بالتخصص ممن يكتبون رأياً سواء طبياً او اقتصادياً او في أي مجال مما يعني أن مفهوم الاعلام تغير تماماً، وأن وسائله التقليدية والحديثة باتت بمواجهة مجتمع إعلامي فليس هناك احتكار للمهنة سواء للصحفي او كاتب الرأي .
الإعلام ركيزة أساسية في تطور الدول ودور الشعوب في بناء اقتصادها وعلومها وتقدمها بكل المجالات وحاله كأي قطاع استفاد من التقنية الحديثة وساعدته بالوصول اكثر لعمق المجتمعات، سواء مكانياً أو في فهم نظرتهم للأحداث وللاحتياجات العامة والتطور المنشود وخطط التعليم والتنمية وبات مهماً ان يعاد صياغة شاملة للاعلام عربياً وإنتاج محتوى اغلبه نابع من صميم ما يربطه بالمجتمع فاغلب طرق التخاطب والبرامج مقتبسة من وسائل اعلام غربية، ولذلك مع تكرارها بدات تفقد جذب المشاهدات، وأصبح من يقدم محتوى بوسيلته أو طريقته الخاصة يحظى بمشاهدات واهتمام وانتشار اعلى من قنوات فضائية او صحف تنفق الملايين على تشغيلها، بينما هناك فرد بامكانيات متواضعة تفوق عليهم لأنه تحدث من عمق المجتمع واهتماماته وليس من خطاب تنظيري او بيروقراطي وكلاسيكي لم يعد له تلك الجاذبية، كما السابق، فهناك شعرة فارقة ما بين أن يكون الإنفاق بالاعلام بكفاءة عالية تحقق نتائج إيجابية في رفع الوعي أو هدراً مالياً لا منفعة ترجى منه.

