منيرة أحمد الغامدي
عندما أُعلنت رؤية 2030 ركّز كثيرون على الأرقام والأهداف الطموحة، لكن ما جرى على أرض الواقع خلال السنوات الماضية تجاوز فكرة إطلاق مبادرات كبرى أو تنفيذ مشاريع ضخمة. التحول الحقيقي كان في طريقة التفكير ذاتها و في كيفية إدارة الدولة لملفاتها وكيف تُصمَّم السياسات وكيف يُتخذ القرار ويُراجع ويُصحح.
اقتصاديًا، تبدو الصورة أوضح من أي توصيف نظري فقد تضاعف حجم الاقتصاد الوطني خلال نحو ثماني سنوات من قرابة 650 مليار دولار قبل إطلاق الرؤية إلى ما يقارب 1.3 تريليون دولار وفق بيانات رسمية، وفي الوقت نفسه ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى نحو 56 % من الناتج المحلي الحقيقي.
هذه الأرقام لا تعني فقط نموًا كميًا بل تعكس تحوّلًا في بنية الاقتصاد نفسه وانتقالًا تدريجيًا نحو قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا واستدامة وقادرة على امتصاص الصدمات ومواكبة التغيرات العالمية بسلاسة ودون إخلال بالمنظومة الكاملة.
هذا التحول لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل مؤسسيًا أيضًا، و في البنية التحتية والتحول الحضري لم يعد العمل قائمًا على مشاريع متفرقة بل على منظومات مترابطة تُدار ضمن أطر واضحة.
مشاريع النقل والخدمات اللوجستية والتخطيط العمراني نُفذت بروح تكاملية تقلل التضارب وتسرّع الإنجاز. وبينما ما تزال مدن عالمية تعاني من تعقيدات إجرائية وتشتت في الصلاحيات، أثبتت التجربة السعودية قدرة على تنفيذ مشاريع معقدة ضمن جداول زمنية منضبطة، مدعومة بحوكمة فعّالة.
وفي مجال الاستثمار، لم يكن انتقال أكثر من 700 شركة عالمية إلى الرياض كمقر إقليمي خطوة عابرة أو استجابة لحوافز مؤقتة بل نتيجة منطقية لتوفر بيئة تنظيمية مستقرة وتشريعات واضحة. المستثمر لا يبحث فقط عن الامتيازات، بل عن وضوح المسار واستقرار القرار، وما تحقق يعكس تحولًا في صورة المملكة كمركز أعمال تنافسي في المنطقة لا يشابهه أحد.
التحول الرقمي الحكومي مثّل بدوره محطة مفصلية فتوحيد المنصات الحكومية وتكامل الخدمات الرقمية وتسهيل الإجراءات، لم يختصر الوقت والجهد فحسب بل أعاد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. حين تصبح الخدمة أسرع وأكثر شفافية ترتفع الكفاءة تلقائيًا ويتراجع الهدر ويتحسن مستوى الثقة في الإدارة العامة.
وعلى مستوى الحوكمة، لم تعد الشفافية مفهومًا نظريًا بل أداة عمل يومية من حيث ربط الإنفاق بمؤشرات أداء وإتاحة البيانات وتفعيل الرقابة المتزامنة والسريعة بدل انتظار التقارير التقليدية اللاحقة، وهذه كلها ممارسات تقلل تكلفة الخطأ قبل تضخمه.
هذا التحول يعكس فهمًا بأن قوة المؤسسات لا تُقاس بعدد اللوائح، بل بقدرتها على التصحيح المبكر.
وفي ملف مكافحة الفساد، جرى التعامل مع القضية باعتبارها جزءًا من بناء الدولة الحديثة لا حملة مؤقتة، وذلك من خلال ترسيخ معايير مساءلة واضحة وربط الاستمرار في المواقع القيادية بالالتزام المؤسسي، وكل هذا عزز الانضباط العام ورفع مستوى الثقة في المنظومة الإدارية، وهو عنصر أساسي في استقرار بيئة الأعمال.
ومع اتساع نطاق التحول، تغيّر نوع التحدي فلم يعد إطلاق المبادرات هو الإنجاز بحد ذاته، بل القدرة على إدارة شبكة معقدة من القطاعات والجهات دون ارتباك وهنا برزت قيمة القيادة في ضبط إيقاع القرار والحفاظ على وضوح الاتجاه مع منح مرونة كافية للتنفيذ والتعديل، ولذا فإن إدارة التعقيد أصبحت مهارة مؤسسية لا تقل أهمية عن سرعة الإنجاز. ومع نضج التجربة تغيّر معيار النجاح أيضًا فلم تعد السرعة وحدها مقياسًا كافيًا بل أصبح الأثر المستدام هو السؤال الأهم وهل تحسنت الإنتاجية؟ هل ارتفعت كفاءة الإنفاق؟ هل تطورت جودة القرار؟.
إن اعتماد منظومات قياس أداء مترابطة وربطها بمراجعات دورية للتصحيح والتحسين يعكس انتقالًا من ثقافة التنفيذ إلى ثقافة الاستدامة.
وفي هذا السياق، من الضروري التأكيد أن الاستراتيجية ليست وثيقة جامدة ولا قائمة مشاريع مغلقة، فالإستراتيجية الحقيقية هي إطار عمل يتطور وفق المعطيات، لذا فإعادة جدولة مشروع أو دمج مبادرة أو إيقاف مسار لم يعد يحقق أعلى جدوى مرتقبة لا يُعد تراجعًا، بل يعكس نضجًا إداريًا يحترم الموارد ويقدّم الأولويات. الإدارة الرشيدة لا تتمسك بالمشروع لذاته بل بالأثر الذي يحققه، والقدرة على المراجعة والتعديل المبكر علامة قوة لأنها تمنع تراكم التكلفة وتعيد توجيه الجهد نحو ما هو أكثر قيمة.
الإستراتيجية الناجحة ليست تلك التي لا تتغير بل تلك التي تتطور دون أن تفقد اتجاهها. ولذا وفي نهاية المطاف فإن ما تشهده المملكة اليوم ليس مجرد سلسلة مشاريع كبرى، بل تحوّل في طريقة إدارة الدولة نفسها، وهو وضوح في الاتجاه و انضباط في التنفيذ ومرونة واعية في التطوير. إنها تجربة تُبنى على أنظمة عمل قادرة على الاستمرار والتكيف والتحول والتغير الإيجابي لخدمة النتائج المرجوة وتجعل الثقة في القيادة نتيجة طبيعية لأداء وطني ومؤسسي متماسك لوطن أكثر نماءً وازدهاراً.

