محمد بن عيسى الكنعان
على خلفية أحداث جنوب اليمن، كان هناك بيان لوزارة الخارجية السعودية بتاريخ 10 رجب 1447هـ (30 ديسمبر 2025م)، جاء في ثناياه عبارة مهمة، وبلغة واضحة، وذات رسالة دقيقة ومعبرة، تقول: «تؤكد المملكة في هذا الإطار بأن أي مساس أو تهديد لأمنها الوطني هو خط أحمر لن تتردد المملكة حياله في اتخاذ كافة الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهته وتحييده».
هذه الرسالة الجلية في عبارة البيان تختزل لك الاستراتيجية السعودية في كل تعاملاتها الإقليمية، فإن كانت المملكة تُعطي قدرًا كبيرًا لعلاقاتها الثنائية مع الدول، وتدعم الاستقرار والأمن لكل الدول في محيطها الإقليمي، ولا تعترف بالكيانات الموازية للحكومات أو الميليشيات المسلحة داخل هذه الدول، كما تدعم كل جهود التنمية المستدامة فيها، فإن أمنها الوطني يبقى خطًا أحمر لا تقبل -ليس فقط- التعدي عليه، أو تهديده، إنما المساس به، بل لا تقبل الاقتراب من مجالها الحيوي؛ لذلك من يستعرض المسيرة السعودية منذ تأسيس المملكة عام 1932م وإلى يومنا الحاضر يمكن أن يلحظ ببساطة أن السعودية دائمًا كانت وفيّة مع عالمها العربي وصادقة مع محيطها الإقليمي، فهي تصون الجوار بكل رعاية واهتمام، ولا تتدخل بالشؤون الداخلية للدول، وتعتبر القرار السياسي لأية دولة هو راجع لشعبها بمكوناته الرئيسة وأطيافه المتنوعة، كما لا تسمح بأن تكون أراضيها منطلقًا لأي عدوان على الآخرين.
لكن إذا اختل الأمن الإقليمي أو اهتزت المعادلة الجيوسياسية؛ بسبب أزمة، أو نزاع، أو عدوان، أو خطر يُجاور حدود المملكة الحصينة، أو يقترب من مجالها الحيوي فإنها لن تتردد في اتخاذ ما تراه صائبًا وفق تقديراتها ومصالحها، والأمثلة على ثبات الموقف السعودي، ووضوح سياسة المملكة كثيرة.
فتاريخيًا، السعودية تدخلت باليمن لدعم المملكة المتوكلية عام 1962م لأن التدخل المصري بتأثير المد الناصري لدعم العسكريين اليمنيين كان خطرًا على الحدود السعودية، خاصةً أن الناصريين كانوا يعلنونها عبر تصريحاتهم بإسقاط الملكيات التي يصفونها بـ(الأنظمة الرجعية)، ولكن عندما بدأ الانسحاب المصري من اليمن عام 1967م لم تعترض السعودية على اختيار الشعب اليمني للنظام الجمهوري، كذلك الحال عندما وقفت مع العراق في مواجهة الخطر الإيراني عام 1980م، الذي لن يكتفي باجتياز البوابة الشرقية ما يعني تهديدًا لأمنها، كما كان لها الدور الأكبر في تحرير الكويت بعد غزو العراق عام 1990م، وفي حماية مملكة البحرين من التهديد الإيراني عام 2011م وسط فوضى ما يسمى الربيع العربي.
واليوم نجدها ترفض ما يجري في السودان من قبل ميليشيا الدعم السريع، أو تقسيم الصومال، لأن ذلك يمثل تهديدًا لأمنها الوطني في البحر الأحمر، مثلما يصنع الفوضى في العالم العربي، ويُمكّن للكيان الصهيوني من القرن الإفريقي والممرات المائية؛ لهذا كان الرد السعودي حازمًا وسريعًا بشأن محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا من السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة ديسمبر 2025م بانقلاب واضح وكامل الأركان على الشرعية اليمنية، ومحاولة رخيصة لفصل الجنوب اليمني لأهداف ومحاور إقليمية، ما يُعيد إلى الأذهان المحاولة المتهورة التي قام بها النظام الاشتراكي اليمني عام 1969م للاستيلاء على منفذ الوديعة السعودي ومدينة شرورة فكان الرد السعودي عليه عقابًا له ودرسًا لغيره.
إن الاستراتيجية السعودية الإقليمية واضحة كالشمس في رابعة النهار، فلا تحتاج لقواميس الساسة، أو منظري الأزمات، أو تجار الحروب. مفادها: أمني الوطني خطر أحمر مكتوب بلغة الدم السعودي على جميع حدودي البرية والبحرية.

