يأتي تعيين معالي الأستاذ فهد آل سيف وزيراً للاستثمار ضمن الأوامر الملكية الكريمة المباركة، لتعزيز منظومة الاستثمار، فقد كتبتُ سابقاً عدة مقالات بشأن الاستثمار وأهميته، كان آخرها: “بيئة الأعمال الأهم فالمهم"، و"أكاديمية الاستثمار حاجة وليست ترفاً،" وفي هذه السطور أشير، كمتابع ومتعامل في هذا المجال، إلى بعض الومضات التي أرجو أن تكون ذات أثر في التطوير المنشود.
التساؤل الأهم لمن يتولى مثل هذه الحقيبة المعقّدة هو: ماذا نهدف إليه؟ وكيف يمكن ذلك؟ في منظومة الاستثمار، الهدف هو إيجاد بيئة استثمارية تنافسية مبنية على اقتصاديات السوق. أما بالنسبة لكيف؟ فيكون من خلال العمل على ثلاثة محاور رئيسة لها عدد من الأدوات.
المحور الأول؛ يتمثل في الشفافية في السياسات والتشريعات والإجراءات لكافة الأطياف والقطاعات الاستثمارية. فقد يؤدي عدم الوضوح إلى مستويات من عدم اليقين، ما يجعل المستثمر، في حال تردد بين الإقدام أو التريث. وعندما يسود الوضوح بدءاً من مرحلة التفكير بالاستثمار، مروراً بالتنفيذ والتشغيل والتوسع، وانتهاءً بالتخارج أو الانقضاء، وعندما تتضح خطوات معالجة التحديات أو عرض الفرص والمشاريع بما تحمله من وفرة في المعلومات، فإن ذلك يحقق خطوة متقدمة تعزز اكتمال اليقين.
أما المحور الثاني؛ فيُعنى بالموازنة وتحقيقها دون التفريق بين المستثمر الأجنبي أو المحلي، وألا يتقدّم التركيز أحياناً على عدد شهادات الاستثمار على جودة الاستثمار نوعاً وحجماً. فحالياً يمكن للمستثمر الأجنبي تحديد أي رقم لرأس المال في شهادة الاستثمار، دون اشتراط إيداعه في حساب مصرفي داخل المملكة، كما لا يخضع للزكاة، ما قد يفتح المجال لممارسات غير منضبطة من قبل بعض الأطراف. وفي المقابل، يعمل المستثمر السعودي غالباً على خفض رأس المال لتقليل الفاتورة الزكوية.
المحور الثالث؛ يتمثل في الاستقرار في السياسات والتشريعات والإجراءات، وهو من أكثر المحاور تعقيداً، إذ يستوجب تنسيقاً داخلياً مع الجهات ذات الصلة بالشق الاقتصادي، إضافة إلى التنسيق مع الجهات الخارجية، بما يضمن سلاسة الاستثمارات البينية واستدامتها، وما زالت المنظومة تواجه تحدياً قائماً في تحديد موقعها بين الجهات الحكومية الأخرى، حيث إن كثيراً من التقاطعات بحاجة إلى أن تتحول إلى تكامل، وأن تكون الوزارة الداعم الرئيس للجهات والموجّه الذكي لمسار الاستثمار.
كما أن هناك أدوات أخرى مؤثرة على هذه المحاور، تحتاج إلى نظر متبصر، مثل إعادة تقييم الفعاليات الاستثمارية الداخلية والخارجية، ووضع مقاييس ومعايير واضحة للقيمة الاستثمارية الفعلية التي تقدمها هذه الفعاليات، إذ يُفترض أن تكون مبادرات يقودها القطاع الخاص، مع حضور داعم من الجهات الحكومية، لا العكس. وهو دور أصيل لهيئة تسويق الاستثمار أن تكون محوراً منظماً لذلك، من حيث منح الموافقات وتحفيز القطاع الخاص على إقامتها، مع ضرورة تكاملها مع منتديات الأعمال التي ينظمها اتحاد الغرف السعودية، حيث يُفترض أن تقدم هذه الفعاليات قيمة استثمارية حقيقية لا إعلامية فقط.
ومن الأدوات المهمة أيضاً إعادة مراجعة وتقييم مذكرات التفاهم والاتفاقيات، والتدقيق فيما يستجد منها، إذ إن كثرتها قد تُضعف القيمة التي أُنشئت من أجله. كما أن المناطق الاقتصادية الخاصة بحاجة إلى خطط تنفيذية، لا تقتصر على تطويرها، بل تهدف إلى إنجاحها، إضافة إلى ذلك، يبرز دور تفعيل مجلس الاستثمار، وأن تكون له جمعية عمومية تضم المستثمرين من مختلف القطاعات والجنسيات والمستويات، بوصفهم مصدر الإلهام الفعلي، وهم الأقدر على نقل واقع الميدان.
ومع ما تشهده المملكة من حراك إصلاحي متسارع، فإن الفرصة سانحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لمواصلة تحسين منظومة الاستثمار بما يحقق مستهدفاتها الاستراتيجية.

