في تسجيل مصوّر، ينصح «شاعر العرب الأكبر» محمد مهدي الجواهري المشتغلين بالأدب بقراءة أمهات الكتب العربية لتعزيز الرصانة اللغوية والأدبية، ويحدد من بينها كتاب «أمالي أبي علي القالي»، أحد أمهات كتب الأدب واللغة العربية، وكتاب «الكامل في اللغة والأدب للمبرد»، ويعتبره مرجعاً أساسياً في الأدب، وكتاب «أدب الكاتب لابن قتيبة»، لتعلم أصول الكتابة والبيان، وكتاب «نهج البلاغة» للإمام علي، ويقول إنه كتاب يوصى به منذ ألف سنة، وكذلك «ديوان المتنبي»، ويقول الجواهري إنه واظب على قراءة هذه الكتب منذ صغره، بل إن بعضها قرأها عشرات المرات.
لذلك نفهم، مع الموهبة، كيف تأسس الجواهري ليصبح آخر عمالقة الشعر الكلاسيكي العمودي و«متنبي عصره» و«نهر العراق الثالث»، وكيف وصف نفسه «أبا الشعر»، و«يا ابن الفراتين قد أصغى لك البلدُ / زعماً بأنك فيه الصادح الغردُ».. و«أنا العِراقُ لساني قلبهُ ودمي/ فراتُهُ وكياني منهُ أشطارُ».
إذا حملت الموهبة في كفّ، ففي الكفّ الأخرى ذاك الجَلدْ الطويل مع المثابرة على نبش الكتب وقضاء الوقت في قراءتها. فالقراءة كما يصفها طه حسين «غوص في بحر المعرفة»، وهي جهد مستمر لا ينقطع، فـ«من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر عن العالم قروناً»، كما يقول نجيب محفوظ.
أما القراءة التي سقت العبقريات الفكرية والأدبية، فهي القراءة العميقة التي يصاحبها البحث والتأمل وتمنح صاحبها عمقاً معرفياً لا توفره أشكال القراءة السريعة السائدة اليوم، التي تقدّم سيلاً من المعلومات السريعة ذات الأثر السطحي، الذي يتلاشى بعد انطفاء الشاشة. هناك نهم في الحصول على وجبات ثقافية سريعة، تبثها وسائل التواصل، لكن نفعها قليل، بالقياس مع ما ترسخه القراءة العميقة، وما زاد اليوم أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت توفر إجابات فورية، لكنها تقلل من «الكفاح الفكري» الذي يبني الذاكرة ويثير التفكير النقدي.
رغم حسنات تقنيات التواصل، فإنه لا يمكن التغافل عن سلبياتها، منها أن «الإنترنت زجّ بالإنسان في عالم رقمي مسيّج بالأوهام والأمراض والاستلاب»، هذا ما يقوله الصحافي الأميركي نيكولاس كار في كتابه «السطحيون: ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا؟». يلاحظ المؤلف أن الإنسان يصبح أسيراً للعادات التي صنعها بنفسه: «نصنع عاداتنا... ثم تصنعنا عاداتنا»، ومن بين تلك العادات تحطيم القدرة على التركيز المُثمر والعميق في أي موضوع، وبالنسبة للقراءة فإنه يقول: «لقد كنت من قبل غواصاً في بحر من الكلمات، والآن أندفع على سطح الماء بزلاجة مائية»، يشتكي من أن التقنية الحديثة «لا تحفّز التركيز العميق مطلقاً»، بل «تشجّع على التفكير السطحي»، وتصيب الإنسان بالتشتت الذهني.
لقد وجدت دراسة نشرت حديثاً أن الطلاب الذين يقرأون نصوصاً قصيرة على وسائل التواصل يظهرون انخفاضاً في نشاط الدماغ المسؤول عن الفهم العميق، مقارنة بقراءة كتاب مطبوع.
ونقل موقع الجمعية الأميركية للفيزياء عن أحد الباحثين قوله: «الأطفال الذين استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة حصلوا على درجات أقل، وحتى أولئك الذين استخدموها قليلاً ظهرت لديهم فروق طفيفة في أدائهم العقلي».
كما نعلم فإن القراءة العميقة التي يصاحبها البحث والتأمل تمنح صاحبها عمقاً معرفياً لا توفره أشكال القراءة السريعة التي تقدّم سيلاً من المعلومات السريعة ذات الأثر السطحي، وما يفعله الإدمان على وسائل التواصل هو قتل «الفضول المعرفي» الذي يفتش عن أصل الأشياء ونشوئها، وتحويله إلى «فضول استهلاكي» كالبحث عن حياة المشاهير ونجمات وسائل التواصل... وصولاً لأن يصبح الإنسان كائناً رقمياً في حسابات الشركات المشغلة لهذه الشبكات، فشركات التقنية لا تبيع المعرفة، بل تبيع وقتك وانتباهك، فكل تمرير للشاشة تدرّ أرباحاً، لقد بلغ متوسط استخدام الفرد لمواقع التواصل في بعض البلدان خمس ساعات يومياً يعني أكثر من 1800 ساعة سنوياً، (أي نحو شهرين ونصف الشهر في العام الواحد)، يضع الإنسانُ نفسه في عزلة مع الشاشة، يكون في «حالة اتصال» دائم، يستقبل ويتفاعل مع البث المضطرب والمثير للإحباط والتشتت الذهني، نحتاج للخروج من هذه الضوضاء قليلاً... لنطفئ الشاشة ونبدأ الحياة..!

