: آخر تحديث

ضريبة الاعتياد

2
2
2

ليس كل ما نألفه يمنحنا طمأنينة؛ فبعض الألفة تُخدِّر الحسَّ حتى يفقد الإنسان قدرته على ملاحظة ما يتبدّل داخله. وما يبدو استقرارًا قد يكون، في أحد وجوهه، تراجعًا هادئًا عن الدهشة الأولى وعن يقظة السؤال.

لا تبدأ الحكاية بخسارة واضحة، بل براحةٍ صغيرة تتكرّر. نتكيّف مع الإيقاع المتسارع، فنكفّ عن مساءلته. نقبل الضغط بوصفه طبيعيًا. نخفض سقف توقّعاتنا في العلاقات كي لا نصطدم. ومع كل تأقلمٍ غير واعٍ، يُقتطع جزءٌ خفيٌّ من حيويّتنا.

هذه الضريبة لا تُدفع مالًا، بل معنى. تُقتطع من حرارة الشعور، ومن صفاء الرغبة، ومن جرأة المراجعة. حين يصبح كل شيء متوقّعًا، يتراجع الإحساس بالحضور؛ يؤدّي الإنسان أدواره بإتقان، لكنه لا يعيشها بامتلاء. يفعل كثيرًا ويشعر أقل.

وعلى المستوى الاجتماعي، تتشكّل منظومة غير مرئية تعيد صياغة السلوك الجمعي: خطابٌ حادٌّ يصبح مألوفًا، انشغالٌ دائمٌ يُبرّر الغياب، مقارنةٌ مستمرة تُضعف الامتنان. ومع مرور الوقت، يغدو الخلل طبيعيًا، ويبدو التنبيه إليه مبالغة.

أخطر ما في الأمر أنه يُضعف الحسَّ النقدي تجاه الذات. فبدل أن نسأل: هل ما أعيشه يعبّر عني؟ نكتفي بقول: هكذا تسير الأمور. وهنا يبدأ الانفصال الهادئ بين الإنسان وما يريده فعلًا، فيستمر في مسارٍ لا يراجعه لأنه لم يعد يلتفت إليه.

ليست الدعوة إلى نقض كل مألوف، بل إلى استعادة الوعي بما نكرّر. أن نتوقّف أحيانًا لنختبر ما حولنا: هل ما زال يضيف إلى حياتنا، أم يُفرغها على مهل؟ فكل نمطٍ لا يُراجَع قد يتحوّل إلى قيدٍ لا يُرى.

وفي المحصلة، لا تُقاس جودة الحياة بما نُحسن تكراره، بل بقدرتنا على البقاء يقظين داخله.

فأيُّ ثمنٍ ندفعه حين نعيش ما لم نعد نختاره؟

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.