قد تطرح موضوعًا أو سؤالًا على صديق أو زميل أو قريب أو عالم أو مفكّر، أو غيرهم من الناس، فتتفاجأ أن ردّه أو جوابه بعيد كل البعد عن الرد أو الجواب الذي كنت تنتظره أو تتوقعه منه.
ليس هذا فحسب، فالإجابة أحيانًا تكون بشكل فجّ، أو غير مقبول، أو بصورة تستغرب منها غاية الاستغراب، عطفًا على ما تعرفه عن هذا الشخص الذي تسأله أو تطرح عليه الموضوع.
فتبدأ في البحث عن الأسباب التي جعلته يجيب أو يرد بهذا الشكل السيّئ، وقد تكرّر طرح السؤال أو الموضوع عليه، فتصل الأمور إلى إشكالات أو غضب أو نقاش حاد بسبب إلحاحك عليه واستغرابك منه.
خاصة إذا كانت هناك معطيات سابقة تجعلك تتوقع منه جوابًا أو ردًا مختلفًا، كأن يكون ذا مكانة ما، أو أنه صاحب خبرة واسعة في مجال السؤال أو الموضوع الذي طرحته عليه، أو أنه يحمل درجة علمية عالية في تخصّص معين، أو غير ذلك من المعلومات التي تعرفها عنه، والتي تجعلك تنتظر منه جوابًا أو رأيًا أو كلامًا مختلفًا تمامًا عن الكلام الذي أجاب به عن سؤالك الذي طرحته عليه.
وفي النهاية تكتشف أن سبب الرد أو الجواب الغريب ليس السؤال نفسه، وإنما الحالة المزاجية التي كان عليها ذلك الشخص أثناء طرحك السؤال عليه، فالحالة المزاجية للإنسان، مهما بلغت مكانته أو نضجه أو خبرته أو درجة معرفته، تتأثر بعوامل كثيرة، قد لا يستطيع أحيانًا الفكاك من تأثيرها القوي عليه، كأن يكون جائعًا مثلًا أثناء طرحك الموضوع عليه، أو أنه لم ينم بشكل جيد في الليلة السابقة، أو أنه يعاني من مشكلة أو همّ معيّن يشوّش عليه تفكيره وقدرته على التركيز، أو غير ذلك من الأمور التي تؤثر عليه وعلى ساعته البيولوجية وعلى نفسيته ومزاجه.
وقد بذلت جهدًا في الاطلاع على دراسات عديدة مؤخرًا، وخرجت منها بنتيجة عامة مفادها أن اختيار الوقت المناسب من أهم مهارات التواصل التي يُغفل عنها أحيانًا؛ فالفكرة الجميلة قد تُرفض تمامًا لمجرد أنها طُرحت في توقيت سيّئ، والسؤال قد يُقابل بإجابة محتقنة أو مشحونة أو سلبية أو خاطئة أو عنادية أو غير دقيقة أو غير مناسبة، إذا طُرح على شخص وهو في حالة مزاجية سيّئة.
إننا كثيرًا ما نهتم بتحضير الأدلة والبراهين المنطقية وصياغة العبارات المناسبة، قبل طرح سؤال أو موضوع على شخص معين، ولكننا نتجاهل أو لا ننتبه إلى العامل الأهم، وهو الحالة النفسية للمتلقي. إن عقل الإنسان ليس جهازًا إلكترونيًا يعمل بنفس الكفاءة في كل الأوقات، وإنما يتأثر بعوامل وضغوطات ومؤثرات كثيرة.
ما أريد إيصاله في هذه المقالة، هو أنك إذا أردت الحصول على إجابة سليمة أو رد مفيد أو جيد عند طرح موضوع أو سؤال ما، فعليك الاهتمام الكبير بمزاج المتلقي، خاصة في الأسئلة الدقيقة أو الحسّاسة، أو الموضوعات التي تترتب وتُبنى على نقاشها نتائج مصيرية، فقبل أن تطرح سؤالك أو موضوعك، تأمل مزاج الشخص المستهدف جيدًا، لأنه قد يفاجئك أو يصدمك أو يقابلك بمقاومة لا إرادية، ناتجة عن تعكّر المزاج، تجعله لا يعطيك الجواب أو الرأي أو الكلام الأفضل أو الأصحّ أو المأمول أو المتوقع.
فمثلًا: هناك دراسات تؤكد أن قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات سليمة، أو الإجابة بإجابات منطقية، أو الاستجابة الجيدة لطلبات جديدة، تضعف بشكل ظاهر في نهاية اليوم، أو قبيل موعد الوجبات، أو في آخر ساعة من الدوام، أو في الدقائق الأولى بعد الاستيقاظ من النوم مباشرة، أو عندما يكون الشخص في حالة غضب شديد، أو فرح غامر، أو غير ذلك. ويختلف الناس عن بعضهم أيضًا في تفاصيل ذلك.
هذه المسألة في غاية الأهمية عندي؛ لأن عدم استيعابها بشكل جيد قد يجعل الواحد منا يخسر أو يتضرّر، أو تحصل له المشاكل مع الآخرين، مع أن الحل سهل وبسيط جدًا، وهو اختيار التوقيت المناسب، والمكان المناسب أيضًا، لطرح الموضوع أو المسألة أو السؤال على من تريد رأيه أو جوابه أو موقفه أو نصيحته أو وجهة نظره.
ومن الأهمية بمكان أيضًا الانتباه إلى نقطة دقيقة رقيقة، وهي أن المحاولة الأولى هي الأهم، فيجب تحرّي الوقت المناسب من البداية؛ لأن بعض الناس، وقد تكون طبيعة بشرية تشمل الكثيرين، لا يغيّر جوابه أو ردّه أو موقفه الأول، الذي صدر منه وهو في مزاج سيّئ، بسهولة، حتى لو أعدت طرح الموضوع أو المسألة عليه في وقت آخر مناسب.
بمعنى: قد يأخذه شكل من أشكال ما قد تصح تسميته بـ "عزة النفس"، أو العناد، أو المكابرة، أو ما شابه ذلك من كلمات قريبة أو مرادفة، فلا يتراجع عن موقفه أو جوابه الأول.

