لم تعد أجهزة التواصل والتقنيات الحديثة مجرد أدواتٍ تُستخدم عند الحاجة، بل تحوّلت إلى رفيقٍ دائم في تفاصيل يومنا، تُنظّم مواعيدنا، وتُسهّل أعمالنا، وتفتح لنا نوافذ لا حدود لها من المعرفة والتواصل. لقد صنعت هذه الأجهزة ثورةً معرفيةً وإنسانيةً غير مسبوقة، فاختصرت المسافات، وقرّبت الثقافات، وجعلت العالم قريةً صغيرةً يتشارك أفرادها الخبر والخبرة في لحظات.
وهذه أهمية لا يمكن إنكارها لأجهزة التواصل اليوم، والتي تُعدّ العمود الفقري للحياة المعاصرة، فهي تسهم في التعليم عن بُعد، وتدعم الاقتصاد الرقمي، وتسهّل إدارة الأعمال، كما أنها أصبحت أداة رئيسية في العمل الحكومي والإعلامي، بل وحتى الدبلوماسي، ولم يعد مستغربًا أن تُدار اجتماعات، وتُوقَّع اتفاقيات، وتُدار أزمات عبر شاشة هاتف أو جهاز لوحي.
لكن هذا الوجه المشرق للتقنية يقابله جانب آخر يفرض نفسه بقوة. إنها، وكم أراها، جاذبية تبتلع الفوارق العمرية، واللافت أن سحر الأجهزة لم يَعُد حكرًا على جيلٍ دون آخر. دعونا نتناقش حولها، فالطفل يجد فيها عالمًا للترفيه، والشاب يراها مساحةً للتعبير والتفاعل، وكبار السن يستخدمونها للتواصل وكسر العزلة. بل وحتى المسؤولون في المؤتمرات والندوات، بالرغم من أهمية الحدث وحيويته، كثيرًا ما يُشاهدون منغمسين في هواتفهم، وكأن هناك سباقًا خفيًا مع إشعاراتٍ لا تتوقف. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: أين تكمن المشكلة؟ هل هي في الإنسان الذي لم يُحسن إدارة هذه التقنية؟ أم في التقنية التي صُمّمت لتجذب الانتباه وتستحوذ على الوقت؟ دعوني أفكّر معكم. الحقيقة تقول إن العلاقة بين الطرفين معقّدة، فالشركات التقنية تبني تطبيقاتها على أسس نفسية مدروسة تُحفّز التفاعل المستمر، بينما يفتقد كثير من المستخدمين إلى الوعي الرقمي الذي يوازن بين الاستخدام والحياة الواقعية. وعندما تدقّ الدول ناقوس الخطر، بدأت عدة دول تدرك خطورة الاستخدام المفرط، خاصة على الأطفال. فقد اتخذت فرنسا خطوات للحدّ من استخدام الهواتف داخل المدارس حفاظًا على تركيز الطلاب وتوازنهم النفسي والاجتماعي. كما اتجهت أستراليا إلى سنّ سياسات مماثلة في بعض الولايات، بعد تزايد القلق من تأثير الأجهزة على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي لدى النشء. هذه الخطوات لا تعكس رفضًا للتقنية، بل محاولة لإعادة ضبط العلاقة معها.
متى نشعر بالخطر؟ نشعر بالخطر حين تصبح الأجهزة بديلاً عن العلاقات الإنسانية، وحين يختصر الحوار الأسري في رسائل إلكترونية بالرغم من قرب المسافات، وحين يتراجع التركيز والإنتاج، وتتحول لحظات الصمت والتأمل إلى فراغ لا يُحتمل دون شاشة مضيئة. الخطر يبدأ حين نفقد السيطرة على الوقت، فنعيش في عالمٍ رقمي يسرق أعمارنا دون أن نشعر.
دعونا نفكّر، أين الحل؟ ربّما أن الحل لا يكمن في محاربة التقنية، بل في ترشيد استخدامها عبر:
• تعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال والكبار.
• وضع أوقات محددة لاستخدام الأجهزة داخل الأسرة.
• إعادة الاعتبار للأنشطة الاجتماعية والرياضية والثقافية.
• سنّ تشريعات تحمي الأطفال من الاستخدام المفرط.
• تعزيز ثقافة "الحضور الذهني" في الاجتماعات والمؤتمرات.
خاتمة
التقنية ليست خصمًا للإنسان، بل انعكاسٌ لوعيه وطريقة تعامله معها. هي نعمة عظيمة حين تُدار بحكمة ووعي، وقد تتحول إلى عبء حين تُترك بلا ضوابط. وبين الضوء المنبعث من الشاشات، يبقى الضوء الحقيقي في قدرتنا على تحقيق التوازن، وأن نستخدم الأجهزة دون أن تستخدمنا، وأن نبقى سادة الوقت لا أسرى الإشعارات.

