: آخر تحديث

واشنطن وطهران: نحو تسوية هشّة أم هدنة اضطرارية؟

8
7
6

في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتقاطع الحشود العسكرية الأميركية في الخليج وبحر العرب مع جولة مفاوضات حساسة في سلطنة عُمان بين واشنطن وطهران، في مشهد يبدو متناقضاً ظاهرياً، لكنه يعكس في العمق منطق إدارة الصراع لا حسمه. فالتصعيد العسكري المتزامن مع التفاوض ليس نقيضاً للسياسة، بل أحد أدواتها؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى التفاوض من موقع التفوق، فيما تحاول إيران تفكيك طوق العقوبات دون التفريط بأوراق نفوذها الإقليمي. هذا التلازم بين الضغط والتفاوض يرسم ملامح السيناريو الأكثر ترجيحاً للمرحلة المقبلة: تسوية مؤقتة وهشّة، تندرج ضمن استراتيجية "تجميد الصراع" أو ما يعرف بـ "اللاحرب واللاسلام".

الحشود الأميركية الحالية لا تشير إلى استعداد وشيك لخوض حرب شاملة، بقدر ما تعكس استراتيجية ردع تفاوضي تهدف إلى رفع كلفة التعنت الإيراني، ومنع طهران من استخدام أدوات التصعيد التقليدية عبر الوكلاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فواشنطن، المنهمكة في مواجهة صعود الصين وإدارة الصراع مع روسيا، لا تملك ترف الانخراط في حرب شرق أوسطية جديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع ترك الملف الإيراني بلا ضوابط، خاصة مع اقتراب طهران من عتبة نووية مقلقة. ويتعاظم هذا التوجه الأميركي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في واشنطن، حيث تسعى الإدارة الحالية لتحقيق "إنجاز دبلوماسي" يضمن تهدئة الجبهات المشتعلة ويمنع انفجار المنطقة في توقيت سياسي حرج، مما يجعل الضغط العسكري وسيلة لإجبار إيران على تقديم تنازلات محسوبة، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.

في المقابل، تدخل إيران هذه الجولة التفاوضية وهي في وضع داخلي وإقليمي أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل سنوات؛ فالعقوبات الخانقة أنهكت اقتصادها، وتراجعت قدرتها على تمويل حلفائها، وتعرضت بنيتها العسكرية والاستخبارية لاستنزاف كبير بفعل الضربات الإسرائيلية المتواصلة، فضلاً عن احتقان اجتماعي داخلي مكتوم. ومع ذلك، لم يدفع هذا الواقع طهران إلى تغيير جوهر استراتيجيتها، بل إلى اعتماد مرونة تكتيكية تهدف إلى كسب الوقت، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، والحفاظ على البنية الأساسية لنفوذها الإقليمي. وما يعزز هذه الصلابة الإيرانية هو رهان طهران على "الرئة" التي يوفرها التقارب الاستراتيجي مع موسكو عسكرياً وبكين اقتصادياً، مما يمنحها هوامش مناورة أوسع في رفض المساس بملفات سيادية كبرنامج الصواريخ الباليستية. وبعبارة أدق، تبدو إيران مستعدة لتقديم تنازلات نووية مرحلية، لكنها غير مستعدة للتخلي عن مشروعها الإقليمي.

ضمن هذا السياق، تشير أغلب التقديرات إلى أن المسار الأكثر احتمالاً يتمثل في اتفاق مرحلي محدود، يتضمن تجميد مستويات التخصيب المرتفعة، وتشديد الرقابة الدولية، مقابل تخفيف جزئي ومدروس للعقوبات. في المقابل، تبقى ملفات الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، والمليشيات المسلحة، خارج إطار الاتفاق أو مؤجلة إلى مراحل لاحقة. مثل هذا التفاهم لا يفضي إلى تطبيع شامل، ولا ينهي حالة الصراع، بل يؤسس لمرحلة إدارة أزمة طويلة الأمد تقوم على ضبط التوتر بدل حسمه، فيما يمكن تسميته بـ "خيار التبريد" (De-escalation) الذي يحول المواجهة الساخنة إلى صراع بارد ومسيطر عليه.

ويبقى العراق الحلقة الأضعف والأكثر تأثراً بهذه الترتيبات؛ فالمؤشرات تدل على اتجاه نحو تحجيم نسبي لدور المليشيات المسلحة، دون تفكيكها، وتحويل دورها من عسكري صرف إلى نفوذ سياسي واقتصادي. هذا الضبط لا يعني استعادة الدولة العراقية سيادتها كاملة، بل إعادة تنظيم النفوذ الإيراني داخل العراق بما يتناسب مع متطلبات التهدئة الإقليمية. وبكلمات أخرى، يبدو العراق مرشحاً لأن يكون ساحة اختبار لصدق التفاهم الأميركي – الإيراني، لا طرفاً فاعلاً في صياغته.

أمَّا إسرائيل، فتبقى العامل الأكثر إرباكاً لأي تسوية محتملة، إذ ترى أن أي اتفاق لا ينهي البرنامج النووي الإيراني بالكامل يمثل تهديداً وجودياً مؤجلاً. ولهذا تواصل تل أبيب ضرباتها في سوريا ولبنان، وعملياتها الاستخبارية داخل العمق الإيراني، وضغوطها السياسية على واشنطن، ما يجعلها عنصر تعطيل دائم لأي تهدئة طويلة الأمد، وقوة دفع محتملة نحو التصعيد إذا شعرت بأن الاتفاق يكرّس بقاء إيران "نووية مؤجلة".

في المحصلة، ما يجري اليوم ليس تمهيداً لتحالف ولا بداية لتطبيع، بل محاولة متبادلة لشراء الوقت بأقل كلفة ممكنة. واشنطن تريد تجميد الخطر الإيراني دون حرب، وطهران تريد تخفيف الخناق دون التخلي عن مشروعها. وبين هذين الهدفين تتشكل تسوية هشّة قابلة للانفجار مع أول اختبار جدي. وبذلك، فإن السيناريو المرجّح للمرحلة المقبلة يتمثل في هدنة مضطربة، وتوازن ردع هش، وصراع طويل الأمد بأدوات أقل صخباً وأكثر تعقيداً. إنه شرق أوسط جديد، لا تحكمه الحروب الكبرى، بل المساومات الدقيقة، والضغوط المتبادلة، وحافة الانفجار الدائم.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.