"نتزيَّن بوصايا الغريب ونستهتر بحِكمة القريب"
من سياق المقالة
من عادة الحُصَفاء الذين يتسنمون مواقع المسؤولية في بقعةٍ جغرافية تحيقها المخاطرُ من جميع الجهات، الاطلاع في أقرب فرصة على تجارب الشخصيات التي تركت بصمتها في مسار الأحداث في مناطق مماثلة، والحرص على قراءة سِيَر الشخصيات التي لديها تجارب ملهمة يمكن الاتكاء عليها؛ وبما أن إقليم كردستان العراق انتقل منذ سنوات من مرحلة الدفاع عن الوجود عبر الكفاح المسلح لعقودٍ طويلة إلى مرحلة البناء والازدهار والتنمية الاقتصادية بالرغم من التحديات الداخلية والخارجية، فهي الأقربُ والأفضلُ إذا ما أُريدَ الاستفادة من خبرتها في ظروف الشدة وأوج الأزمات، هذا طبعاً إن لم نكن على المستوى السياسي أو على المستوى الاجتماعي مصابين بعقدة التزيُّن بوصايا الغريب والاستهتار بحِكمة القريب.
ولكن للأسف، فمع تتابع الوقائع وحدوث ما كان يتوقعه عشرات الساسة والمحللين من الكرد ومن غير الكرد، اتضح لنا بأن السيد مظلوم عبدي إما أنه أهمل تجربة بارزاني الغنية بالعِبر ولم يأخذ بها، أو تراخى في تتبع ملاحظاته المكتوبة، أو أنه لم يُسمح له تنظيمياً أو إيديولوجياً بالتعويل على مشورة بارزاني بشكلٍ مباشر أو حتى الاستفادة منه بطريقة غير مباشرة، أي من خلال تتبع مساره النضالي وقراءة أثره المكتوب؛ إذ لو كان عبدي مطلعاً فقط على الكتاب الأخير لمسعود بارزاني "للتاريخ"، وليس باقي كتبه، لكان بمقدوره تجنب العاصفة المدمرة والخروج منها بأقل كُلفة، وكان على الأقل عمل على تخفيض حجم الخسائر المادية وقلَّلَ قدر المستطاع من أعداد القرابين البشرية.
على كل حال، فحتى لو كان عبدي قد قرأ فعلاً كتاب بارزاني المذكور أعلاه بإمعان، ولكنه في الوقت ذاته ظلَّ مُداراً، إن لم نقل من باب الاحترام مُساقاً، من قبل قيادات حزبية تعاني التكلس والصدأ الفكري، ولا تحبذ إلاَّ ما يطبطب لها أو يدور في فلكها الشعاراتي الهش، فكان من الصعب عليه أن يخرج عن طاعتهم أو يخالف توجهاتهم، طالما أن تلك القيادات تتحسس أصلاً من توجهات بارزاني المختلف كلياً عنهم في طريقة التعاطي مع المجريات، وفي أسلوب العمل الميداني، وفي الرؤية والأداء السياسي، وحتى في الخروج بالتصريحات الإعلامية؛ فكيف والحالة هذه كان سيستفيد عبدي من ذلك السِّفر إن بقيَ أسير العقول المتحجرة؟ وهل كان سيُسمح له بأن يستفيد من خبرة بارزاني أصلاً بينما معظم من يدور في فلكهم السيد عبدي لديهم هواجس قلقة إبان ذكر اسم بارزاني، بل وإطلالاتهم الإعلامية ومواقفهم السابقة تشير إلى أنهم يضمرون له البغضَ أكثر من الود بالرغم من أنه لم يسعَ لإيذائهم؟ وفي الحالة هذه فمن الطبيعي ألا يقدر المرء الانتفاع من حكمة من يختلف عنه، أو الاستفادة من نهجِ أو حكمة شخصٍ ناصبه العداء طويلاً، حيث ذكر في هذا الإطار المفكر الجزائري مالك بن نبي، قائلاً: "إننا عندما نربط الأفكار بالأشخاص نحرم أنفسنا من الفكرة الجيدة حين تأتي من عدو، ونتورط في الفكرة السخيفة طالما جاءت من صديق، وما لم نسلخ الفكرة عن الشخص، فلن نستفيد من الأفكار ولن نعرف قدر الناس".
ولئلا نطيل الموضوع أكثر سنبدأ بإيراد بضع شواهد من الكتاب؛ إذ جاء في كتاب مسعود بارزاني "للتاريخ" أن الشيخ عبدالسلام بارزاني الثاني تعرض لأوَّل خيانة داخلية من قِبل العشائر المحلية في عام 1907، وتفاصيل الواقعة موجودة في الصفحة 22 من الكتاب؛ والعِبرة هنا هي أنه إذا كانت عشائر كردية محلية تخلت بسهولة عن حليفها وتركته وحيداً بمواجهة قوات الدولة العثمانية، فكيف سيكون حال مظلوم عبدي وقوات سوريا الديمقراطية مع العشائر التي لا يمتون إليها بأيّ صلة، وهي في الأساس تعاملت مع "قسد" بمقابل مادي صرف، كما كانت تتعامل من قبلُ مع نظام بشار الأسد، إذ إن من لا مبدأ لهم، ولا وفاء لديهم مع أبناء جلدتهم، كيف سيصبحون أوفياء مع من لا يحبونه أصلاً؟
أما بخصوص لعبة المصالح الدولية، وموقف أميركا من مجريات 2026 في سوريا، فقد جاء في الكتاب الآنف الذكر: "كان الأميركيون يريدون أن يتنازل شعب كردستان عن حقه في الاستفتاء في سبيل مصلحة شخصٍ عراقيٍّ واحد ألا وهو حيدر العبادي". ص 49، فإذا كان الأميركيون لديهم شخص واحد أهم من سكانِ إقليمٍ برمته، بما أن ذلك الشخص يضمن لهم مصالحهم، فماذا كان على مظلوم عبدي أن يتوقع من الأميركيين الذين رأوا بأن أحمد الشرع سيُحقق كل مطالبهم المتعلقة بأمن إسرائيل؟ إضافة إلى وقوف دول الخليج وتركيا مع السلطة الجديدة في سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية، فهل كان السيد عبدي قيد الاعتقاد بأن تُبقي واشنطن مظلتها في سماء شمال شرق سوريا وتتكفل بحمايتها وتتخلى عن مصالحها مع تركيا وقطر والسعودية وسلطة دمشق؟
كما أننا حيال إمكانية التخلي السريع لواشنطن عن حلفائها، بل ورُخص الحلفاء لديها، نقرأ في الصفحة 89 ما يلي: "طلبتُ من الحكومة الأميركية بناءً على رسالة وزير خارجيتها تيلرسون أن تغير الحكومة الأميركية كلمة (تحترم) وتضع مكانها كلمة (تدعم)، فقال الأميركيون بأنهم لا يستطيعون استعمال كلمة (ندعم)، وقلتُ للأميركيين إذا كنتم لا تستطيعون تبديل كلمة واحدة، كيف تنتظرون منا أن نقنع شعب كردستان بأكمله لكي يتنازل عن الاستفتاء؟". إذ إن مَن تباخلوا في تبديل كلمة واحدة في الرسالة الموجهة لقيادة إقليم كردستان حيال موضوع الاستفتاء، فهل كان من المنطقي التوقع منهم اتخاذ موقفٍ مشرفٍ أو عظيمٍ في اللحظات الحرجة، أو تقدير دماء 20 ألفَ شخصٍ قضوا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"؟
عموماً، الدروس والعِبر كثيرة في فقرات الكتاب المذكور إذا ما أمعن السياسي الكردي النظر فيها وتوقف مطولاً عندها، كما أن بارزاني لم يكتفِ بما أورده من المواقف المصيرية والمعلومات الدقيقة من غير استرسال من أول الكتاب، إنما قدَّم نصيحة مباشرة بدون رتوش، وبدون أن يُغلف عباراته بالزخارف الشعاراتية، قائلاً في الصفحة 114: "نصيحتي لكل فرد ولكل سياسي كردي حيال موضوع الحقوق المشروعة لشعبنا هو ألا يعتمد على الآخرين، بل يعتمد على شعبه، لأن العالم هو عالم المصالح، فإذا كانت لهم مصالح منسجمة مع الكرد، سيصبحون أصدقاء، وإن تعارضت مصالحهم مع الكرد سيهملونكم ويتجاهلونكم". وهو الذي حدث.
ختاماً، فالطامة التي كان من المتوقع وقوعها وقعت، وقبل الحدث الجلل كنتُ كغيري قد نبهتُ إلى ما يُحتمل حصوله؛ إذ في الشهر الثاني من العام الفائت، وتحديداً في 02/02/2025، ألمحتُ في مقالةٍ تحت عنوان "هل يأخذ عبدي بكلام البارزاني؟" إلى ضرورة أن يقوم القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بالاطلاع على التجربة الشخصية للرئيس البيشمركة مسعود بارزاني، عساه يتجنب الكوارث السياسية والعسكرية التي تعرَّض لها كرد العراق؛ على أي حال فالوقت لم يفته إن أحسن المشورة والإصغاء والقراءة، وإن لم يكن ثمّة قرارات تنظيمية أو تصورات إيديولوجية تمنعه من التواصل المباشر مع الرئيس البيشمركة، فعليه عدم التلكؤ في استشارته بخصوص المواضيع الحساسة أكثر من استشارة رفاق تنظيمه، لأنني قيد التصور بأن من يمكثون في السراديب يصعب عليهم رؤية الأشياء على طبيعتها فوق الأرض، ومعلوم أن استشارة أصحاب الخبرة في القيادة تزيد من خبرة القائد المسؤول، كما أن عقل المرء في الأزمات لا يعمل بالشكل المطلوب، لذا هو بأمسِّ الحاجة إلى إضافة خبرات عقلٍ آخر خاض نفس التجارب وعاش ذات الظروف إلى عقله؛ إذ يقول الإمام علي في هذا الخصوص: "من شاور الناس شاركهم عقولهم".


