في الشرق الأوسط، لم تكن الفوضى يومًا نتيجة أخطاء بقدر ما كانت، في كثير من الأحيان، جزءًا محسوبًا من هندسة النفوذ، ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول العميق في السلوك الإقليمي للشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين؛ إذ انتقل عدد من الدول الإقليمية من توظيف بيئات الانهيار لتحقيق مكاسب استراتيجية وجيوسياسية، إلى محاولة تجميدها عند حدّها ومنع منافسين من إعادة تدوير نتائجها.
ومن وجهة نظري كمراقب، تبدو إيران اليوم مرآة كاشفة لهذا التحول أكثر من كونها موضوعًا منفصلًا. بعد عام 2011، تحولت حالات الاضطراب الإقليمي في الشرق الأوسط إلى ساحات إعادة تموضع حقيقية؛ ففي ليبيا سمح التفكك بإعادة هندسة النفوذ وخلق موازين جديدة لم تكن ممكنة في ظل دولة متماسكة، وفي سوريا فتحت السيولة الأمنية مساحات تدخل وتثبيت حضور ميداني لم تكن متاحة في زمن الدولة المركزية، أما في اليمن فقد أصبح الانهيار جزءًا من معادلة ردع إقليمي معقّدة. ولم تكن هذه البيئات تُقرأ أخلاقيًا بقدر ما كانت تُقرأ وظيفيًا، لأن نتائجها كانت قابلة للتوظيف السياسي والأمني ضمن حسابات جيوسياسية واضحة.
الحقيقة أن هذه المعادلة لم تبقَ على حالها طويلًا، إذ بدأت النتائج ترتد بكلفة أعلى مما كان متوقعًا: موجات لجوء ضخمة، تمدد ميليشيات إرهابية عابرة للحدود، إنهاك اقتصادي، وضغط سياسي داخلي متصاعد. وهكذا تحولت البيئات التي كانت تُعد نافذة فرص إلى عبء استراتيجي ثقيل. بلا شك، لم يتغير الموقف لأن الاضطراب خاطئ، بل لأنه لم يعد مربحًا كما كان، وهذه النقطة تحديدًا هي مفتاح فهم التحول الجاري اليوم.
تجربة تركيا مع اللاجئين السوريين تقدم المثال الأكثر وضوحًا على إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي؛ فقد استوعبت أنقرة ما يقارب أربعة ملايين لاجئ خلال عقد واحد، وهو رقم لم يكن أثره اجتماعيًا فحسب، بل مسّ الاقتصاد والسياسة الداخلية والمزاج الشعبي وحتى الاستقرار الانتخابي. لذلك لم يكن غريبًا أن يؤكد رجب طيب أردوغان في عام 2019 أن بلاده لا تستطيع تحمّل موجة جديدة، وأن تتكرر التصريحات الرسمية التي تضع حماية الحدود في مرتبة الأولوية الوجودية. وهكذا تبلورت معادلة جديدة في التفكير التركي: التحكم بحركات النزوح البشري هو شرط للاستقرار السياسي في تركيا.
وفي المقابل، وعلى الحدود التركية–الإيرانية الممتدة لنحو 560 كيلومترًا، ونتيجة لمبدأ إدارة الأزمات وتحسبًا لانهيار النظام الإيراني، ظهرت ترجمة عملية لهذه المعادلة القديمة–الجديدة في شكل جدران خرسانية وخنادق ومراقبة إلكترونية ومسيّرات، في إشارة واضحة إلى أن الهدف لم يعد إدارة تدفق البشر واللاجئين الإيرانيين عند المعبر، بل منع حركتهم من المصدر. وكما أرى، فإن هذا يعكس انتقالًا حادًا من سياسة الحدود المفتوحة خلال الحرب السورية إلى سياسة الإغلاق الاستباقي تجاه أي سيناريو إيراني محتمل.
وبلا شك، لا يتوقف الأمر عند التحصين الحدودي، إذ يتضمن التصور التركي استعدادًا للتحرك خارج الحدود الإيرانية إذا اقتضت الضرورة، ليس لخوض حرب تقليدية، بل لإبقاء موجات النزوح داخل الجانب الإيراني. في هذا السياق، تتقدم أولوية الاستقرار الداخلي على الأعراف الدبلوماسية التقليدية، بحيث تصبح السيادة – عمليًا – قيمة قابلة لإعادة التفسير إذا تعارضت مع الأمن الداخلي.
ويزداد هذا التعقيد حساسية مع وجود أقلية أذرية كبيرة داخل إيران تُقدَّر بين 20 و30 في المئة من السكان؛ إذ إن أي موجة بشرية قادمة من تلك المناطق لا تُقرأ في أنقرة باعتبارها تحديًا أمنيًا فحسب، بل بوصفها معضلة اجتماعية وأخلاقية تتداخل فيها الهوية مع القرار السيادي. ففي لحظة كهذه، قد يميل القرار العسكري إلى الإغلاق الصارم للحدود، بينما يضغط المزاج المجتمعي باتجاه الاستقبال، وهو تناقض تدركه أنقرة جيدًا ويفسر – في تقديري – لماذا تفكر تركيا في إدارة السيناريو خارج حدودها قبل أن يتحول إلى اختبار داخلي معقد.
ومن هنا تتضح زاوية غالبًا ما تُغفل في النقاشات السائدة، وهي أن الاضطراب لم يكن يومًا خطأً في الحسابات بقدر ما كان جزءًا أصيلًا منها؛ استُخدم أحيانًا لإعادة هندسة النفوذ، وأحيانًا أخرى لتثبيت وقائع سياسية وأمنية على الأرض. واليوم لم تعد تلك الساحات تنتج المكاسب ذاتها، لكنها قد تتيح لخصوم جدد الاستثمار فيها، وربما قلب نتائجها رأسًا على عقب. وهنا تتضح القاعدة الجديدة: من استفاد من هذه البيئات بالأمس يريد اليوم احتكار نتائجها ومنع إعادة تدويرها من قبل منافسين.
والحقيقة أنه في الحالة الإيرانية، الخشية ليست من الحرب بحد ذاتها، بل من تداعياتها الديموغرافية والأمنية والسياسية. فإيران الضعيفة أخطر من إيران القوية، لأن الضعف يعني فراغًا جيوسياسيًا، والفراغ يعني بشرًا على الحدود، وميليشيات، وتدخلات دولية. لذلك لا يبدو الهدف منع هذه الديناميات أخلاقيًا، بل تجميدها عند حدّها ومنع ارتدادها ومنع الآخرين من الاستثمار فيها.
ومن وجهة نظري، فإن ما تعكسه الحالة التركية تجاه إيران ليس استثناءً، بل نموذجًا مكثفًا لهذا التحول. فالخرسانة والأسلاك والمراقبة تتقدم على الخطاب، وإدارة الكتل البشرية والنازحين تتقدم على إدارة السياسة، والسيادة تُعاد قراءتها من منظور الداخل، والاستقرار يُعاد تعريفه بوصفه قدرة الدولة على التحكم في حركة البشر قبل أي شيء آخر.
إيران، في هذا التحليل، ليست الهدف بل المرآة؛ ما تعكسه هو انتقال من مرحلة كانت فيها حالات التفكك أداة لإعادة هندسة النفوذ، إلى مرحلة أصبحت فيها خطرًا يجب تطويقه قبل أن يتحول إلى أداة بيد الآخرين. والنتيجة القاطعة أن دول المنطقة لا تحاول اليوم إيقاف الاضطراب لأنه سيئ، بل لأنه لم يعد حكرًا عليها.

