شدّتني تغريدة للإعلامي فيصل الجفن، اتسمت بقدرٍ كبير من الرصانة والعقلانية، وهما منهج فكري يقوم على تعظيم دور المنطق والموضوعية في اتخاذ القرارات ومعالجة الإشكالات، عبر الاستناد إلى تحليل الوقائع والأدلة بدلًا من الانسياق وراء العواطف. ويكشف هذا الطرح عن شخصية عقلانية تتسم بالاتزان والتسامح وضبط النفس، وتسعى إلى ترسيخ الفهم والعدالة في التعامل، بما يمكّنها من مقاربة تعقيدات الحياة بحكمة ورويّة. وقد كتب حول ما يشهده الوسط الرياضي حاليًا في شأن أسطورة كرة القدم كريستيانو رونالدو قائلًا: «رونالدو ليس لاعبًا في النصر فقط، بل هو لاعب رئيسي في تطور مشروعنا، وخلفه منظومات إعلامية تتابع أدق تفاصيله. وما أنجزه من إيجابيات خلال ثلاث سنوات لا ينبغي أن نخسره بسبب مغرد أو إعلامي يختلف معه في الميول أو محدود التفكير، أو من توقّف تفكيره عند عمر عشر سنوات، فيُفسد ما تم بناؤه».
نعم، ما أروع هذا الطرح بجمال أسلوبه وحرصه وعقلانيته.
فكريستيانو رونالدو ليس مجرد لاعب يخوض منافسات الدوري السعودي فحسب، بل يمثل سفيرًا عالميًا للمملكة يسهم في تعزيز أهداف تسويقية متعددة، من بينها استقطاب 100 مليون زائر بحلول عام 2030. ويجسّد ذلك ركيزة أساسية من ركائز رؤية 2030 الهادفة إلى تحديث المشهد الثقافي في السعودية وتغيير الصورة الذهنية لدى الرأي العام العالمي عن المملكة بوصفها دولة عصرية ووجهة سياحية جاذبة. ومن شأن هذا الحضور أن يستقطب مزيدًا من السياح والمستثمرين، وأن يفتح الطريق أمام استضافة فعاليات عالمية كبرى، مثل كأس العالم 2030. كما أن وجود النجم العالمي كريستيانو رونالدو في المملكة شكّل علامة فارقة، وأسهم في تسليط أضواء الشهرة العالمية على الدوري السعودي، حيث تصاعد الاهتمام بالرياضة محليًا وعالميًا من خلال نادي النصر، وتبع ذلك انتشار قمصان النادي في شتى أنحاء العالم، وتنافس القنوات الرياضية الدولية على نقل مبارياته، فضلًا عن الأثر الواسع الذي تحدثه منشورات اللاعب عبر حساباته عن السعودية.
ومن الضروري أن يدرك الجميع أن التعاقد مع هذا اللاعب يحمل قيمة استراتيجية كبيرة للمملكة، بصرف النظر عن النادي الذي يمثّله، إذ إن الأهم يتمثل في مواكبة التطور الرياضي السعودي وتحقيق الأهداف المنشودة. ففي كل مباراة يقدّم رونالدو نموذجًا يجمع بين الجمال الفني والقوة الناعمة في صورتها المثلى. كما أن أي ممارسات سلبية في هذا السياق لن تكون في مصلحة الوطن، بل قد تُبعد نجوم الكرة العالميين عن الدوري السعودي. فصفقة رونالدو لم تكن مجرد تعاقد مع لاعب عالمي، بل مشروع يتجاوز هذا الإطار بكثير، وهو ما تجلّى في الإقبال الكثيف من القنوات الرياضية ووسائل الإعلام العالمية على متابعة دوري روشن السعودي، الذي بات يُبث في أكثر من 150 دولة حول العالم، مع تضاعف حجم البث سبعة أضعاف عمّا كان عليه قبل انضمام النجم البرتغالي. وقد تحوّلت أنظار العالم نحو المملكة والرياضة السعودية عمومًا، الأمر الذي يستدعي أن يواكب هذا الاهتمام تطورًا ملموسًا في بيئة الملاعب والمنظومة الرياضية. ويبدو أن ما يجري يندرج ضمن حملة إعلامية منظمة تستهدف أحد أبرز لاعبي العالم.
إنَّ هذا المشروع الرياضي الوطني مصدر فخر واعتزاز، وهو أسمى من الميول والانتماءات الضيقة وصخب المدرجات. ويكفي ما يعبّر عنه هذا الأسطورة من إشادة بالسعودية وجمالها، وما يبديه من حماسة في تشجيع اللاعبين العالميين على القدوم إليها. فهل يُعقل أن تُغفل جماهيرية لاعب يتابعه المليارات حول العالم، ويتحدث بشغف عن المملكة؟ أليس من حق المواطنين أن يعتزوا بذلك؟ وهل يُحارب لأنه لاعب عالمي يمثّل نادي النصر؟ دعوا الميول جانبًا، ولنجعل الانتماء للوطن هو الأساس، لنعتز جميعًا ونقول: السعودية، وكفى.


