مع حلول الشهر الثاني (شباط) من العام 2026، تستحضر الذاكرة قامتين عربيتين سياسيتين، افتقد أحدهما المجتمع اللبناني الذي لا يدري، حتى إشعار آخر، هل سيستعيد صفاء العلاقات مع المجتمع الدولي، أم إن ما هو مكتوب له أن ما عاشه ماضيًا يمكن أن يعيشه حاضرًا، في ظل التحديات الحزبية والسياسية على أنواعها. وتفتقد الآخر القضية الفلسطينية، كما تفتقد القامة الفنية الكثيرة الرقي السيدة أم كلثوم.
ومن حيث المصادفة، فإن تفجير الحريري، الذي شلّت أيادي المخطِّطين والمنفِّذين إذا كانوا ما زالوا على قيد الحياة، تم في مثل هذا الشهر (شباط) من العام 2005، وأن رحيل الابن البار للقضية الفلسطينية، ولكنيسة القيامة كما للمسجد الأقصى، الأرثوذكسي المستقيم الرأي والثابت عليه، الدكتور جورج حبش، حدث في الثامن عشر من الشهر نفسه عام 2005.
كان رحيل الحريري تفجيرًا، والحزن عليه كما الحزن على الرئيس جمال عبدالناصر، الذي رحل وهو في الثانية والستين من العمر إثر نوبة قلبية فاجأته وهو يودّع أمير الكويت الذي شارك في "قمة الهيلتون" التي شاء عبدالناصر عقدها لرأب التصدع في العلاقة بين الملك حسين والرئيس ياسر عرفات وكتائبه المسلحة.
وأما القامة الفنية التي غدت من معالم الاستنهاض الوطني في ضوء تأميم قناة السويس، ثم تأثرًا وجدانيًا بالذي حدث لمهابة عبدالناصر يوم 5 حزيران 1967، فإن الحزن عليها عند تشييع جنازتها المليونية يوم الأربعاء 5 شباط 1975 كان بمثل تشييع جنازة عبدالناصر وبمثل تشييع جنازة السيد حسن نصرالله. وأما جنازة تشييع الحكيم (جورج حبش)، فإنها هي أيضًا كانت ستبدو مليونية لو قيّض له أن يلقى وجه ربه وهو في أرض الوطن فلسطين.
مع هذه القامات الثلاث: رفيق الحريري، وجورج حبش، والسيدة أم كلثوم، كانت لي صداقة وذكريات ناشئة عن التجوال الصحفي لي في معظم الدول العربية، بدءًا بالسيدة أم كلثوم، التي أتاح لي زملاء أصدقاء في المحروسة مصر، من بينهم كمال الملاخ، وإحسان عبدالقدوس، وأحمد بهاء الدين (رحمة الله عليهم)، مشاركتهم أحد اللقاءات الاجتماعية الوطنية بالسيدة أم كلثوم. وتكللت المعرفة بها عندما زارت لبنان وأطربت شعبه من خلال احتفالية لها وبها في قصر "الأونيسكو".
لكن تبقى الذاكرة حافلة بعلاقة لي مع الرئيس رفيق الحريري والدكتور جورج حبش، سأوجز ظروفها من باب التذكير برحيلهما، ولأننا على موعد مع شهر الصوم الذي يُستحب في أيامه الترحم وجدانيًا على القامات الثلاث، كما الترحم على القامتين الحاضرتين في البال: جمال عبدالناصر وحسن نصرالله.
بداية العلاقة مع الرئيس الحريري حدثت ونحن مع آخرين في غرفة استقبال زوار الملك سلمان، أمير الرياض (زمنذاك). وكنا في انتظار مناداة كلٍّ منا للقاء سلمان بن عبدالعزيز، الذي لا يغيب عن البال رونق ترحيبه ببعض الذين يقصدون الإمارة. بدأنا حديثًا حول لبنان، وكيف أنه الوطن الذي يستحق من كل لبناني، ومن أي طائفة كان، أن يعطيه حقه من الحرص على صيغته وتبديد الصورة البشعة للحرب الأهلية التي انطبعت لدى كثيرين، عربًا وأجانب.
ولأن رفيق الحريري كان حينها رجل أعمال، وليس رجل سياسة كثير التميز بعد ترؤسه الحكومة، فإن مجمل الحديث كان تشخيصًا للأحوال مرفقًا بالحلم، وهو استعادة لبنان الوطن مما أصابه من ويلات أحزاب وميليشيات في العام 1975 وما تلاها من أعوام.
وكما الحال بعد كل فرصة لقاء بالأمير سلمان (أمير الرياض)، أضفى على زوار مجلسه شعورًا بالتفاؤل بالأحوال العربية عمومًا، وبات على الصفة الحميدة تلك بعدما أصبح خادمًا للحرمين الشريفين، ورمز حقبة التأسيس الثاني للمملكة، يحقق له تطلعاته الابن البار الأمير محمد، الذي بات ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، والذي حقق جوهر القول المعروف: "الابن سر أبيه".
في أحد اللقاءات بالرئيس الحريري في مكتبه في السراي الحكومي، الذي أعاد إليه رونقه، فاجأني برغبة منه في أن أكون "مستشار الشؤون الأفريقية للحكومة (مصر، السودان، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا)"، وأصدر لذلك عقد اتفاق سلّمني نسخة عنه بتاريخ 15 حزيران 2004.
كان لهذه اللفتة بالغ الأثر في نفسي، وكنت سأبذل من السعي المستند إلى علاقات لي متجذرة مع بعض هذه الدول، بحكم تجوالي صحفيًا فيها مغطّيًا مؤتمرات القمم، فضلًا عن تطورات وصواعق سياسية تحدث في هذه الدولة الأفريقية – العربية أو تلك، ما يضيف الكثير على ما يبغيه الرئيس الحريري من إسناد التكليف المشار إليه، لولا أن جحيم الحقد وتعمّد إفشال طموحاته عربيًا وأفريقيًا، إلى جانب حرص غير محدود لوضع لبنان في المكانة العربية الدولية اللائقة به، فجّر موكبه يوم الرابع عشر من شباط 2005، وهو في الواحدة والستين من العمر، محزونًا عليه كما الحزن على رحيل عبدالناصر، الذي رحل وهو في الثانية والستين من العمر، المشابه لكليهما.
وأما القامة العروبية الوطنية، الابن البار للقضية الفلسطينية ولمسجدها الأقصى كما لكنيسة القيامة، الدكتور جورج حبش، الذي غادر إلى رحاب رب العالمين، والذي جمع الثامن عشر من الشهر الثاني (أي شباط) رحيله برحيل الحريري قبله بأربعة أيام من العام 2008، فإنني، كما حالي مع الرئيس الحريري حيث ربطتني به صداقة أثمرت، كتبت سيرته الذاتية، وهي السيرة الوحيدة حوله التي لم يسعفه المرض في كتابتها. وهذه تستوجب المقال الآتي، مكررًا الرحمة على هذه القامات التي هي موضع اعتزاز الوطن كما المواطن بها من المحيط إلى الخليج.

