ليست كل الجُمل العابرة قادرة على اختصار قرنٍ من الحرمان، ولا كل التصريحات مؤهلة لأن تتحول إلى بيان وجود لشعب بأكمله. لكن حين قال مسرور بارزاني: "خلقني الله كورديًّا، ولا أستطيع إنكار ذلك، وأنا فخور به. سواء عشت في العراق أو في أي مكان آخر، فأنا كوردي، ولا يمكنني تغيير هويتي، ولن أغيرها"، بدا الكلام وكأنه صادر عن ذاكرة أمة، لا عن لسان مسؤول. جملة واحدة حملت ثقل سبعين مليون كوردي، موزعين على أربع دول، محرومين من دولتهم، لكن غير محرومين من وعيهم بأنفسهم، ولا من إيمانهم بحقهم في أن يكونوا كما هم، دون اعتذار، ودون مساومة.
هذه الجملة البسيطة في صياغتها، العميقة في دلالتها، تختصر جوهر القضية الكوردية: الهوية قبل الدولة، والانتماء قبل الخرائط، والكرامة قبل الحسابات السياسية. فالكوردي لم يختر قوميته، لكنها اختارته، كما اختارت كل أم أبناءها دون استفتاء، وكل أرض جذورها دون إذن.
لكن المسألة الكوردية لم تكن يومًا مسألة هوية فقط، بل قضية حقوق شعب من بين أمم الأرض، حُرم من أبسط ما أُقرّ لغيره: حق الدولة، وحق التمثيل العادل، وحق تقرير المصير ضمن صيغ قانونية تحفظ كرامته وتاريخه. فالكورد، وهم من أقدم شعوب المنطقة، وجدوا أنفسهم خارج خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين قُسّمت الجغرافيا وبقيت الأمة بلا كيان، وبلا ضمانات، وبلا اعتراف سياسي جامع.
وعلى امتداد قرن كامل، تعرّض الكورد لتهميش ممنهج، وسياسات صهر قسري، وإنكار للغة والهوية، وحروب وإبادات جماعية في بعض المراحل، من الأنفال في العراق، إلى القمع في تركيا وإيران وسوريا، وصولًا إلى تفكيك وجودهم السياسي في أكثر من محطة تاريخية مفصلية. لم تُضيَّع دولتهم مرة واحدة، بل ضاعت مرات متكررة، كلما اقترب الحلم من التحقق اصطدم بجدار المصالح الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، لم يكن الكورد شعب الضحية وحدها، بل شعب المثال أيضًا. ففي إقليم كوردستان العراق، نشأ نموذج سياسي مستقر نسبيًّا في محيط مضطرب، وأُعيد بناء مجتمع من تحت ركام الحروب ليصبح مساحة للعيش المشترك، والتنمية، والانفتاح، مقارنة ببيئة إقليمية تعاني من التفكك والعنف المزمن. وفي الشتات، برز الكورد في أوروبا وأميركا بوصفهم نماذج للاندماج الإيجابي، والنجاح الأكاديمي والاقتصادي، والمشاركة المدنية الفاعلة دون التفريط بهويتهم.
وفي عالمٍ تُساوَم فيه الهويات، وتُعاد صياغة الانتماءات تحت ضغط المصالح والتحالفات، يأتي تصريح مسرور بارزاني ليذكّر بأن الكوردية ليست موقفًا سياسيًّا عابرًا، ولا شعارًا ظرفيًّا، بل حقيقة وجودية لا تخضع للتفاوض ولا للتكيّف الموسمي. هي ليست ضد أحد، لكنها أيضًا ليست قابلة للذوبان في أحد.
الأهم في كلامه أنه لا يحمل نزعة عدائية، ولا يستدعي خطاب الانفصال أو الصدام، بل يطرح تعريفًا هادئًا وواثقًا للذات: أن تكون كورديًّا داخل العراق، أو خارجه، دون أن تضطر لتقديم اعتذار عن ذلك، أو البحث عن صيغة مقبولة لهويتك لدى الآخرين. هو خطاب حق، لا خطاب صدام، ووجود، لا إلغاء.
لهذا بدا التصريح وكأنه صادر عن وجدان جمعي أكثر منه عن لسان فرد. تعبير عن شعور ملايين الكورد الذين عاشوا طويلًا وهم مطالبون بتبرير وجودهم، أو تخفيف لغتهم، أو تهذيب تاريخهم كي يكونوا "مقبولين" في دول لم تتصالح بعد مع تنوعها الحقيقي.
ما قاله مسرور بارزاني لم يكن خطابًا سياسيًّا تقليديًّا، بل بيان هوية وحقوق معًا. وفي زمن تتآكل فيه المعاني الكبرى تحت ضغط البراغماتية، يصبح التمسك بالهوية والحق فعل مقاومة هادئة، ورسالة واضحة: نحن شعب بين أمم الأرض، لنا تاريخنا، وكرامتنا، وحقوقنا، وسنبقى كما نحن.


